وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي، فقرأ عليه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد - صلى الله عليه وسلم، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه.
وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا، فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن, ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلّا وأنا أعرف أنه باطل، رواه ابن إسحاق والبيهقي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وعن عكرمة"مولى ابن عباس فيما رواه البيهقي مرسلًا،"في قصة الوليد بن المغيرة،"بضم الميم، وكسر المعجمة، ابن عبد الله المخزومي، مات كافرًا، وكان زعيم"سيد"قريش في الفصاحة، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي"شيئًا من القرآن لينظر فيه،"فقرأ عليه:" {إِن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} التوحيد أو الإنصاف {وَالْإِحْسَانِ} الآية، أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه، كما في الحديث. {وَإِيتَاءِ} إعطاء {ذِي الْقُرْبَى} القرابة, خصَّه بالذكر اهتمامًا به"إلى آخر الآية"وخص هذه الآية لمناسبتها للطالب من أقاربه، وفيها عظة له وتنبيه، وهو من رؤساء عقلانهم، فرجا - صلى الله عليه وسلم- بذلك لكمال رأفته ورحمته أن يهدي للإسلام."
"قال"الوليد: أعد قراءتك،"فأعاد - صلى الله عليه وسلم: فقال: والله إن له لحلاوة"أي: عذوبة فصاحة، استعارة لما يستلذه السمع، وإن عليه لطلاوة"مثلث الطاء، حسنًا وبهجة وقبولًا، وأكدهما بالقسم، وإن والجملة الاسمية وقدَّم الخبر للحصر، إشارة إلى أنه لا يشبه غيره من الكلام."وإن أعلاه لمثمر"أي: له طيب كثير، استعارة تمثيلية، والمراد: أن أصله قوي ليس من جنس كلام البشر، ومعانيه مفيدة مرشدة لسعادة الدارين وحسن العاقبة،"وإن أسفله الغدق"، وهو كثرة الماء، وأراد بأسفله ما تضمنه من المعاني، فهو تمثيلية أيضًا، شبهه لفصاحته وبلاغته بشجرة شربت عروقها ماء غزيرًا، فاهتزت وربت، وأينعت ثمرتها وكثرت، ويجوز كونها مكنية وتخييلية."
وفي رواية ابن إسحاق: وإن أصله لعذق - بفتح المعجمة، وكسر المهملة، قال في الروض: رواية ابن إسحاق أفصح؛ لأنها استعارة تامة، آخر الكلام فيها يشبه أوله، وجناه - بفتح الجيم والنون- الثمرة،"وما يقول هذا بشر"؛ لأنه لا يشبه كلامهم بوجه من الوجوه، لحلاوة نظمه، وبديع أسلوبه، وبلاغة معانيه، وجزالة مبانيه، يعني: إنه ليس مفترى مختلفًا، وخصَّ البشر؛ لأنهم المعروفون بالبلاغة، وإلا فهو معجز للجن أيضًا، على أنه صرح بذلك في قوله:"ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه"نوع من الشعر معروف، فهو خاص على عام، ففيه حجة لقول الجمهور: الرجز شعر,"ولا بأشعار الجن"مني،"والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا"المذكور،"والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر، أعلاه مغدق أسفله", وأعاد ذلك للتأكيد ولشدة اللذَّة الحاصلة له بسماعه،"وإنه ليعلو"يرتفع على ما سواه،"ولا يُعْلَى عليه", وبقية هذا عند البيهقي:"وإنه ليحطم ما تحته، وفي خبره"أي: الوليد:"الآخر حين جمع قريشًا"يعني أشرافهم ورؤساهم،"عند حضور الموسم"للحج،"وقال: إن وفود العرب تردنا"أي: تقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم،"فأجمعوا"- بقطع الهمزة، وإسكان الجيم، وكسر الميم-"فيه رأيًا"أي: اعزموا وصمموا عليه من أجمع المختص بالمعالي دون الأعيان، لا من جمع؛ لأنه مشترك بينهما.
قال تعالى: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} الآية، ثم أتى الذي جمع مالًا وعدَّده، وأمَّا قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} الآية. فوقع الفعل على وشركاءكم"بطريق العطف، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع أو تقديره، كما قيل: وأحضروا شركاءكم. لا يكذب - بضم الياء، وسكون الكاف، وخفة الذال، أو بفتح الكاف وشد الذال المكسورة- من أكدب وكذب،"بعضكم بعضًا"إذا اختلفتم، قالوا: فأنت أقم لنا رأيًا نقوله فيه، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع,"فقالوا: نقول إنه كاهن"يخبر عن المغيبات، ويدَّعي معرفة الأسرار، وكانوا في العرب كثيرًا، كشق وسطيح، وكان لهم كلام مشجع, فمنهم من له جني يخبره بالأخبار، ومنهم من يدَّعي معرفة ذلك بأسباب وأمور يأخذها من كلام سائله وفعله وحاله، ويقال له: عرَّاف،"قال: والله ما هو بكاهن", لقد رأينا الكهَّان،"ما هو بزمزمته"أي: صوته الذي لا يفهم، كصوت الرعد، وذلك أصوات الكهنة،"ولا سجعه"الذي يسجعه وقت كهانته،"قالوا: مجنون"اختلَّ عقله، فاختل كلامه وفعله"قال:"والله"ما هو بمجنون"لقد رأينا المجنون وعرفناه، ولا"هو"بخنقه"بفتح النون، وكسرها، وإسكانها ثلاث لغات، ذكره المصنف،"ولا بوسوسته"بفتح الواو: مصدر شيء يلقى في القلب وفي السمت بصوت خفي يحدث به المرء نفسه, ولذا سمي حديث النفس، أي: لا يشبه حاله،"قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر, قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه"بفتح الهاء والزاي والجيم: أحد بحور الشعر، لكن المنقول أن أسماءها منقولات للخليل بن أحمد، فهي منقولة من الهزج نوع مطرب من الأغاني، ولو قيل: إنه اسم لضرب من الشعر كانت العرب تتغنى به كان أقرب وانسب بقوله:"وقريضه"؛ لأنه ليس اسم بحر من بحور العروض، وهو لغة الشعر مطلقًا من قرض بمعنى قطع, أي: مطولات قصائده المقابلة لما قبله فيتناول الطويل والبسيط وغيرهما، ومقبوضه"مختصرًا وزانه المسمَّى في العروض بالمنهوك والمجزور, وتكلف من فسَّر مبسوطه ببحر البسيط، وإن زيادة الميم لمشاكلة مقبوضة،"ما هو بشاعر"أعاده تأكيدًا،"قالوا: فنقول ساحر، قال: وما هو بساحر", لقد رأينا السحار وسحرهم, فما هو بساحر،"ولا نفثه ولا عقده"بفتح فسكون أو بضم ففتح: جمع عقدة التي يعقدها في الخيط ينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه،"قالوا: فما نقول"بالنون نحن، أو الفوقية: أي: أنت"قال:"والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه، فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه باطل، ليس بمقبول عندي ولا عند أحد من العقلاء الذين يعرفونه, وقدَّم الضمير لتقوية الحكم؛ لأنه يقدم لذلك أو للحصر في نفسه بادّعاء أن غيره يجهل ذلك، وفيه بعده، وبقية خبره: وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر، يفرِّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته, فتفرقوا عنه بذلك, فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره, فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها،"رواه"بتمامه هذا"ابن إسحاق والبيهقي"بإسناد جيد عن ابن عباس."