وأما قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] الآية.
فروى ابن أبي حاتم عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، وكذا قال مورق العجلي وغيره.
وقال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون ثم أنزل الذي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إنشاء فقال تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] ، ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاة والسلام.
وقال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسرى، فعاتبه الله كما تسعمون. وأما قول بعضهم إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب لأنه تعالى قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} والعفو يستدعي سالفة ذنب، وقول الآخر: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} استفهام بمعنى الإنكار، فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} يوجب ذنبًا، ولم لا يقال إن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه، كما يقول الرجل لغيره، إذا كان عظيمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال صلى الله عليه وسلم:"عفا الله عنك عن صدقة الخيل والرقيق"ولم تجب عليهم قط، أي لم يلزمكم ذلك.
ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنبًا.
وأما الجواب عن الثاني فيقال: إما أن يكون صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب أم لا؟ فإن قلنا: امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} إنكارًا عليه، وإن قلنا إنه صدر عنه ذنب - وحاشاه الله من ذلك- فقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} يدل على كون الرسول مذنبًا، وهذا جواب شاف كافٍ قاطع، وعند هذا يحمل قوله لم أذنت لهمعلى ترك الاولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرًا، فلما أذن لهم اعلمه الله أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] ، في التخلف عن الغزو الآية، فروى ابن أبي حاتم مسعر""بكسر الميم وسكون السين، وفتح العين المهملتين"،"عن عون""بالنون"ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، الزاهد، الفقيه، الثقة، المتوفى في حدود الستين عد المائة:"قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة"الصورية لما يأتي أن الخطاب به يدل على التعظيم، ثم لا ينافيه قوله الآتي: لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، لأنهم لما رأوه في غاية الملاطفة ولم يظهر منه لوم لم يعدوه معاتب، لأن شأنها أن تكون على جهه لوم من المعاتب، ولذا قال: لم يعدوه ولم ينسب إليهم، نفي المعاتبة من أصلها."
"وكذا قال مورق""بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء الثقيلة وقاف""العجلي" أبو المعتمر البصري، تابعي، ثقة، عابد، مات سنة اثنتين ومائة نسبة إلى عجل بن بكر بن وائل"وغيره".
"وقال قتادة: عاتبه الله تعالى كما تسمعون"في براءة"ثم أنزل الذي في سورة النورن فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أمرهم، {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] بالانصراف،"ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاة والسلام"لكن إنما يتم هذا إن كان التفويض سابقا على الإذن، أما إن كان بعده، كما يشعر به تعبيره بثم، فلا يظهر ذلك."
"وقال عمرو": بفتح العين"ابن ميمون"بن مهران الجزري، ثقة، فاضل، من رواة الجماعة، مات سنة سبع وأربعين ومائة،"اثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم، لم يؤمر فيهما بشيء"أي: لم يبين له فيهما شيء، لا يطلب فعل ولا ترك"إذنه للمنافقين"في التخلف عن الغزو،"وأخذه الفداء من الاسرى"ببدر،"فعاتبه الله كما تسمعون"في القرآن.
"وأما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} والعفو يستدعي سالفة"بلام وفاء، أي: سابقة"ذنب".
هذا قول من يجهل لغة العرب، كما يأتي:"وقول الآخر"ممن يجوز الصغائر عليهم، قوله تعالى: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} استفهم بمعنى الإنكار، والإنكار يقتضي ذلك"فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} يوجب ذنبًا، إذ لم يتقدم فيه نهى من الله حتى يكون ذنبًا، ولا عده الله عليه معصية، ولفظ عفا لا يقتضي ذلك ولا يستلزمه،"ولم لا يقال أن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه"تفسير"كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيمًا عنده عفا الله عنك ما صنعت في أمري"آتيًا بالعفو قبل الاستفهام، حتى لا يبدأ به خطابه تعظيمًا،"ورضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا""بفتح الهمزة أداة استفتاح""عرفت حقي فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل"تحاشيًا عن جعل الاستفهام أول كلامه للمعظم، عنده"وليس عفا هنا" في الآية""بمعنى غفر" أي: ستر، وترك المؤاخذة"بل"بمعنى لم يلزمك شيئًا في الإذن،"كما قال صلى الله عليه وسلم: عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق، ولم تجب عليهم"زكاة في خيل ورقيق"قط، أي: لم يلزمكم ذلك"فليس معناه إسقاط ما كان واجبًا ولا ترك عقوبة هنا.
وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي، مرفوعًا بلفظ: قد عفوت لكم عن زكاة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة .. الحديث بطوله، فنازع بعضهم عياضًا، متبوع المصنف، بأنه لم يقف عليه بلفظ عفا الله لكم، وتعقب بأن عياضًا من الحفاظ، وقف عليه، ومثله لا يقرع له العصا،"ونحوه"أي: ما ذكره"للقشيري"بلفظه من قوله: وليس عفا، وبمعناه من أول قوله: فاعلم، ولفظه عند عياض؛ ومعنى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} ، لم يلزمك ذنبًا.
قال الداودي:
روي أنها تكرمة، وقال مكي: هو استفتاح كلا مثل أصلحك الله وأعزك، وحكى السمرقندي، أن معناه عافاك الله.
قال القشيري:"وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب"، فيقف على معانيه الواردة في لغتهم، كعدم اللزوم الوارد في كلام أفصح العرب، وأصل معنى العفو الترك، وعليه تدور معانيه،"ومعنى عفا الله عنك، أي: لم يلزمك ذنبًا، وأما الجواب عن الثاني، فيقال"على طريق المنزل مع الخصم"إما أن يكون صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب أم لا؟ فإن قلنا: أمتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: لم أذنت لهم إنكارًا عليه"إذ من لم يذنب لا ينكر عليه فعله،"وإذن قلنا أنه صدر عنه ذنب، وحاشاه الله من ذلك"أي: نزهة، فقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} يدل على حصول العفو وبعد حصول الفعو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، إذ بعد العفو كأنه لم يقع منه"فثبت أنه على جميع المقادير"أي: التقديرين المذكورين بناءً على أن الجمع ما زاد على الواحد،"يمتنع أن يقال: إن قوله: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ."
يدل على كون الرسول مذنبًا"كما ادعى ذلك البعض."
"وهذا جوا شافٍ"من هذا الداء العضال، وهو نسبة ذنب إلى أفضل الخلق،"كافٍ"في دفع شبهة الخصم،"قاطع"لها أصلًا لما فيه من التنزل معه،"وعند هذا يحمل قوله: لم أذنت لهم على ترك الأولى، والأكمل"فقط لا على الإنكار،"بل لم يعد هذا أهل العلم"أي: أحد منهم"معاتبة"بفعل خلاف الأولى،"ولغطوا من ذهب إلى ذلك"من المفسرين،"فقال نفطويه":"بنون ففاء فطاء مضمومة فواو ساكنة، فياء مفتوحة عند أصحاب الحديث، لأنهم لا يحبون، وبه وعند الأدباء"بفتح الطاء والواو وسكون الياء"وهو لقب لإبراهيم بن محمد الأزدي، النحوي، لدناءة منظرة، مات سنة ثلاث وعشرين وقيل: أربع وعشرين، وثلاثمائة،"ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه"الله"من ذلك"أي: برأه ونزهه وأصل معناه جعله في حشي، أي: جانب"بل كان مخيرًا"في الإذن وتركه، وقد كن له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل فيه شيء، فكيف، وقد قال الله تعالى له: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} هكذا في كلام نفطويه، أي: فتعليق الأمر بالمشيئة صريح في أنه مخير"فلما أذن لهم أعلمه الله"بما لم يطلع عليه،"أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا"ولو أمروا بخلاف القعود"لنفاقهم"وهم يدعون بالاستئذان أنه لو لم يأذن ما تخلفوا، فإذا ظهر كذبهم وانكشف مغطاهم لزم شق العصا وما يترتب عليه، فكان ما فعله أولى وأصوب،"و"أعلمه"أنه لا حرج"لا وزر ولا إثم"عليه في الإذن لهم"بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} حيث لم يلزمك أن لا تأذن حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، أي: لو صبرت لتبين لك أمرهم، فهو إشارة إلى كمال الرفق به صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يقع منه تقصير يقتضي العتاب، ولا خطأ في الاجتهاد، ولا ارتكاب خلاف الأولى، وما أحلى قول ابن المنير في تفسيره {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] ، دعامة في الكلام، يقصد بها ملاطفة المخاطب، وهو عادة العرب في التلطف بتقديم الدعاء لاستدعاء الإصغاء أو خير معناه لا عهدة عليك، فهو تخصيص وتمييز، لا أن الإذن ذنب يتعلق به العفو، لأن في تحمله ومسامحته لهم مع أذاهم حملًا للمشقة على نفسه، وإسقاطًا للجظوظ، فهو عتب عليه بلطف لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت ما أجحف بك في محبة الله وطاعته، والرفق بالبر والفاجر، وأين هذا من التخطئة التي بزغ بها الزمخشري، عرق العجمة لإساءة الادب على المصطفى، وأراد بعضهم أن يصلح، فأفسد، فقال: بدأ بالعفو قبل العتب، ولو عكس انقطع نياط قلبه، وكله ذهول عن عتب الحبيب في خيفه على نفسه، وهو تخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، وهذا كما قيل له إذ جهد وجد في العبادة {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى} ، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} ."