فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 847

(لطيفة)

انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوي قلبه ببشارة (لا تحزن إن الله معنا) وكان تحفة (ثاني اثنين) مدخرة له دون الجميع، فهو الثاني في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول - صلى الله عليه وسلم- بماله ونفسه جوزي بمواراته معه في رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار"ثاني اثنين إذ هما في الغار"ولقد أحسن حسان حيث قال:

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صاعد الجبلا

وكان حب رسول الله قد علموا ... من الخلائق لم يعدل به بدلا

وتأمل قول موسى لبني إسرائيل: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم- للصديق: {إن الله معنا} فموسى خص بشهود المعية ولم يتعد إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم يقل"معي"لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود، وأين معية الربوبية في قصة موسى عليه السلام من معية الإلهية في قصة نبينا - صلى الله عليه وسلم، قاله العارف شمس الدين بن اللبان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"انظر"تأمل بعين البصيرة في أمر المصطفى وشفقته على الصديق"لما رأى"علم"الرسول حزن الصديق"مفعول رأي الأول والثاني،"قد اشتد"ويجوز أنها بصرية مجازا؛ لأنه لما رأى ما علاه من الكآبة نزل الحزن القائم به منزلة المبصر حتى جعله مرئيا عليه، فالجملة حال."لكن لا على نفسه قوي"الرسول عليه السلام"قلبه ببشارة لا تحزن إن الله معنا، وكانت تحفة"بفتح الحاء وتسكن، ما أتحفت به غيرك؛ كما في المصباح بمعنى الإتحاف، أي: كان إتحاف المصطفى لأبي بكر بكونه"ثاني اثنين مدخرة له دون الجميع"أي: جميع الصحابة،"فهو الثاني"من الرجال"في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت"عطف تفسير، والمراد أنه لما جعل نفسه وقاية له كأنه بذل نفسه وعمره حفظا عليه السلام،"لما وقى الرسول - صلى الله عليه وسلم- بماله ونفسه"مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل: ما كان جزاؤه فيما فعل؟ فقيل:"جوزي بمواراته معه في رمسه وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار"جمع منارة بفتح الميم، والقياس كسرها لأنها آلة،"ثاني اثنين إذ هما في الغار، ولقد أحسن حسان، حيث قال": يمدحه"وثاني اثنين في الغار المنيف"الزائد في الشرف على غيره بدخول أفضل الخلق فيه وإقامته به هو وصاحبه،"وقد طاف العدو به إذ"لمجرد الوقت"صاعد"بالألف لعله بمعنى صعد بالتشديد، لكن لم يذكر الجوهري والمجد ولا المصباح صاعد"الجبلا"نصب بنزع الخافض والألف للإطاق، والمعنى: إذ ارتقى العدو على الجبل،"وكان"الصديق"حب"بكسر الحاء محبوب"رسول الله قد علموا"أي عامة الناس العارفين بحال المصطفى والصديق مسلما أو غيره،"من الخلائق"متعلق بيعدل من قوله:"لم يعدل به بدلا"وأنشد الشامي رجلا، والتقدير: علم كل أحد أنه عليه السلام لم يعدل بأبي بكر أحد، أي: لم ينزل أحدا منزلته بحيث يجعله قائما مقامه.

وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس: أنه - صلى الله عليه وسلم- قال لحسان:"هل قلت في أبي بكر شيئا"؟ قال: نعم، قال:"قل، وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين .. إلخ، فضحك - صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، ثم قال:"صدقت يا حسان، هو كما قلت". فصريح هذا أنه قالهما في حياته. وفي ينبوع الحياة الذي أعرف أنهما من أبيات رثى بها حسان أبا بكر، فهذا يخالف ذاك إذ الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت وجمع باحتمال أنه مدحه بهما في حياته، ثم أدخلهما في مرئيته بعد وفاته.

"وتأمل"عطف على انظر"قول موسى لبني إسرائيل: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ، وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم- للصديق:"إن الله معنا"، قدم المسند إليه للإشارة إلى أنه لا يزول عن الخاطر لشدة التعلق به أو لأنه يستلذ به لكونه محبوبا للعباد إذ لا انفكاك لأحد عن الاحتياج إليه أو لتعظيمه بوصفه بالألوهية لأن سائر صفات الكمال تتفرع عليه،"فموسى خص"من ربه"بشهود المعية"له وحده"ولم يتعد"ذلك الشهود"إلى أتباعه ونبينا تعدى منه"شهوده"إلى الصديق"ولهذا"لم يقل معي لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود"إذ ليس في طوق البشر إلا بذلك الإمداد"وأين"استفهام تعجب وتعظيم للفرق بين المقامين،"معية الربوبية في قصة موسى عليه السلام"حيث قال: إن معي ربي والرب من التربية وهي التنمية والإصلاح،"من معية الإلاهية في قصة نبينا - صلى الله عليه وسلم"حيث عبر بالاسم الجامع لصفات الكمال،"قاله العارف شمس الدين بن اللبان"محمد بن أحمد الدمشقي، ثم المصري الشافعي الفقيه الأصولي النحوي الأديب الشاعر قدم مصر من دمشق، فأكرمه ابن الرفعة إكراما كثيرا، اختصر الروضة ورتب الأم، مات بالطاعون في شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة، هذا وما نقله الشارح عن شرح الهمزية هو معنى ما نقله المصنف عن ابن اللبان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت