وكان من قوله - صلى الله عليه وسلم- حين خرج من مكة، لما وقف على الحزورة، ونظر إلى البيت:"والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".
وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وكان من قوله - صلى الله عليه وسلم- حين خرج من مكة لما وقف على الحزورة"بفتح المهملة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كان بمكة أدخلت في المسجد، وعن الشافعي: الناس يشددونها وهي مخففة،"ونظر إلى البيت"والله إنك"بكسر الكاف خطاب لمكة"لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله"من خطف العلة على المعلول،"ولولا أن أهلك أخرجوني"تسببوا في إخراجي،"ما خرجت منك"أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن عبد الله بن عدي، بلفظ: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على الحزورة، فقال:"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت"."
وروى الترمذي أيضا، وقال: حسن صحيح عن ابن عباس رفعه:"ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
و"وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة"
وجوابه أن التفضيل إنما يكون بين شيئين يأتي بينهما تفضيل وفضل المدينة لم يكن حصل حتى يكون هذا حجة، ولو سلم ففي الحجج البينة هو مؤول بأنه قبل أن يعلم تفضيل المدينة أو بأنها خير الأرض ما عدا المدينة؛ كما قاله ابن العربي، وهو أحد التأويلين في قوله عليه السلام لمن قال له:"يا خير البرية، ذاك إبراهيم"، ومعارض بما في البخاري عن عائشة رفعته:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد"، ونحن نقطع بإجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم- فقد كانت أحب إليه من مكة.
وفي الصحيحين مرفوعا:"اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة"، انتهى.
وقال غيره: قد استجاب الله دعوة المصطفى للمدينة فصار يجبى إليها في زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كل شيء، وكذا مكة ببركة دعاء الخليل، وزادت المدينة عليها لقوله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة شيئان أحدهما في ابتداء الأمر وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما وإنفاقها في سبيل الله على أهلها، وثانيهما في آخر الأمر وهو أن الإيمان يأرز إليها من الأقطار، انتهى.
وقد اختلف السلف، أي: البلدين أفضل فذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب واختاره من متأخري المالكية ابن رشد وابن عرفة؛ كما قاله الأبي وذهب عمر بن الخطاب في طائفة وأكثر المدنين إلى تفضيل المدينة على مكة وهو مذهب مالك، ومال إليه من متأخري الشافعية السمهودي والسيوطي والمصنف في المقصد الأخير واعتذر عن مخالفة مذهبه بأن هوى كل نفس حيث حل حبيبها والأدلة الكثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، والسيوطي: المختار الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة بل الذي تميل إليه النفس تفضيل المدينة، ثم قال: وإذا تأمل ذو البصيرة لم يجد فضلا أعطيته مكة إلا وأعطيت المدينة نظيره وأعلى منه، هكذا قال في الحجج البينة وجزم في أنموذجه بأن المختار تفضيل المدينة.
وأما التشبث بأن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض والمدينة حرمها المصطفى وما حرمه الله أعظم، فشبهة فاسدة؛ لأن الأشياء كلها حرامها وحلالها حرم وأحل من القدم بخطابه تعالى القديم النفسي.
وفي البخاري حرمت المدينة على لساني، فهذا صريح في أن الله حرمها، قال في الحجج: وأما كون مكة بها المشاعر والمناسك فقد عوض الله تعالى المدينة عن الحج والعمرة بأمرين وعد الثواب عليهما. وأما العمرة ففي الصحيح"صلاة في مسجد قباء كعمرة". وأما الحج، فعن أبي أمامة مرفوعا:"من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة"، انتهى.
ومحل الخلاف كما مر، فيما عدا البقعة التي ضمت أعضاءه - صلى الله عليه وسلم، فإنها أفضل إجماعا ويليها الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا، كما قال الشريف السمهودي.
وذكر الدماميني: أن الروضة تنضم لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث:"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، تعريفا بفضل المدينة؛ إذ لا شك في تفضيل الجنة على الدنيا، كذلك، قال: ولا يخلو من نظر لما فيه من الاحتجاج بالاحتمال؛ لأن في معنى روضة احتمالات كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة وكون الموضع نفسه روضة من رياض الجنة الآن ويعود روضة كما كان، وإن كان لا مانع من الجمع بين الثلاثة؛ كما هو معلوم في محله هذا.
وكان من قوله - صلى الله عليه وسلم- أيضا لما خرج مهاجرا:"الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقومني، وإليك رب فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض وكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن يحل بي غضبك أو ينزل علي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجأة نقمتك وتحول عافيتك وجميع سخطك، لك العتبى عندي حيثما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بك"، رواه عن ابن إسحاق بلاغا.