فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيهم قد مر ونفذ؟
قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدرًا وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يحلق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم وقد قال نبينا - صلى الله عليه وسلم:"إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله"، وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم.
وفي بكائه عليه الصلاة والسلام وجه آخر، وهو البشارة لنبينا - صلى الله عليه وسلم-، وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه السلاة والسلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- أكثر مما يدخلها من أمتي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فإن قال قائل: كيف يكون هذا": الواقع من موسى"وأمته لا تخلو من قسمين"جملة حالية، مقررة للإشكال،"قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مت على الإيمان لا بد له من دخول الجنة"، وإن كثر عصيانه في الدنيا،"والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدًا" {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ،"فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيم قد مر ونفذ"، عطف تفسير،"قيل"في الجواب:"إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا، وقدر أن ينفذ على كل الأحوال"، فلا بد من وقوعه،"وقد قدرًا، وقدر أن لا ينفذ"، أي: أن لا يوجد خارجا، ولكن"يكون رفعه بسب دعاؤه أو صدقه، أو غير ذلك"مما علق عليه في الأول، وحصل ذلك المعلق عليه،"فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأمة، طمع"في ذلك، وقال:"لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي"
قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم ليخلع عليه خلع": بكسر ففتح، جمع خلعة، بزنة سدرة وسدر:"القرب والفضل العميم، فطمع الكليم، لعل أن يلحق لأمته نصيبًا من هذ الخير العظيم"."
"وقد قال نبينا - صلى الله عليه وسلم: إن لله نفحات، فتعرضوا"، أي: تصدوا، أو من التعرض، وهو الميل إلى الشيء من أحد جوانبه،"لنفحات الله"، أي: اسلكوا طرقها حتى تصير عادة، وطبيعة وسجية، وتعاطوا أسبابها، وهو فعل الأوامر، وتجنب المناهي، رجاء أن تهب من رياح رحمته نفحة بسعدكم، أو المعنى تعرضوا لها بطلبكم منه.
قال الصوفية: التعرض للنفحات: الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة، حتى إذا مرت، نزلت بفناء القلوب.
قال بعضهم: ومقصود الحديث إن لله فيوضًا ومواهب، تبدو لموامعها من أبواب خزائن الكر والمنن في بعض الأوقات، فتهب فورتها ومقدماتها، كالأنموذج لما وراءها من مدد الرحمة، فمن تعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة، بجمع همة وحضور قلب، حصل له منها في دفعة واحدة، ما يزيد على النعم الدارة في الأزمنة الطويلة على طول الأعمال، فإن خزائن الثواب بمقدار على طريق الجزاء، وخزائن المنن، النفحة منها تفوق، فما يعطى على الجزاء له مقدار ووقت معلوم، ووقت النفحة مبهم في الأزمنة، والساعات ليداوم على الطلب بالسؤال، كما في ليلة القدر، وساعة الجمعة، فقصد أن يكونوا متعرضين له في كل الأوقات قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبهم، وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإنه إذا دام أوشك أن يوافق الوقت الذي ينفخ فيه فيسعد بسعادة الأبد، فقال - صلى الله عليه وسلم:"اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات، تصيب من يشاء من عباده"، الحديث، أخرجه البيهقي من حديث أنس وأبي هريرة.
"وهذه نفحة من النفحات"، عطية من العطيات، قال المصباح: النفحة: العطية، وقيل: مبدأ شيء قليل من كثير، وفي المصباح: نفح الطيب: فاح، ونفحت الريح: هبت،"فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة؛ بأنها فيه تؤثر"من تعليقه على سبب وقوعه،"وما كان قضاء نافذًا لا تؤثر فيه، ولا ترده الأسباب"؛ لأنه"حتم قد لزم"، ومثال ذلك دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- لأمته، أن يظهر عليهم عدو من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، فأستجيب له في الاثنتين دون الثالثة، وقيل له: هذا أمر قدرته، أي: أنفذته، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدره الله، وقدر أن لا ينفذه بسبب الدعاء، والثالثة من القدر الذي قدره، وقدر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد.
"وفي"حكمة"بكائه"، أي: موسى،"عليه الصلاة والسلام: وجه آخر: وهو البشارة لنبينا - صلى الله عليه وسلم- وإدخال السرور عليه"، بكثرة أمته المستلزمة لكثرة أجره،"وذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام، الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا، أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- أكثر مما يدخلها من أمتي"، فكباؤه حين جاوزه المصطفى، وقبل أن يبعد عنه، لأجل أن يسمعه هذه البشارة، إذ لو لم يكن لذلك لترك لبكاء حتى يبعد عنه، فلا يسمعه، ولم يبك حين كان معه، بل رحب به وأثنى عليه، ودعا له بخير لئلا يشوش عليه.