إلى غير ذلك. ولأن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب كثير من العلماء، وليس خاصًا بهذه الأمة، بل يوصف به كل من دخل في شريعة مقرًا بالله وبأنبيائه. كما قال الراغب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إلى غير ذلك"كقوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} الآية، وأجاب السيوطي بحمله على التغليب؛ لأنه خاطبهم وفيهم هارون ويوشع، وهما نبيان، فأدرج بقية القوم في الوصف تغليبًا، أو يحمل على أالمراد: إن كنتم متقادين لي فيما آمركم به.
قال: والتحقيق الذي قامت عليه الأدلة ما رجحناه من الخصوصية بالنسبة إلى الأمم، وأن كل ما ورد من إطلاق ذلك فيمن تقدم فإنما أطلق على نبي، أو ولده تبعًا، أو جماعة فيهم نبي غلب لشرفه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} الآية، فإن الحواريين فيهم أنبياء منهم الثلاثة المذكورون في قوله تعالى: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} الآية، نص العلماء على أنهم من حواري عيسى، وأحد قولي العلماء، أن الثلاثة أنبياء، ويرشحه ذكر الوحي إليهم.
"ولأن الإيمان"لكونه التصديق القلبي"أخص من الإسلام"لأنه الانقياد للأحكام المأمور بها، فإن صحبه تصديق قلبي فمسلم فقط تجري عليه أحكام الدنيا، ولا ينفعه ذلك عند الله،"كما هو مذهب كثير من العلماء، وليس خاصًا بهذه الأمة بل يوصف به"أي: بالإيمان"كل من دخل في شريعة مقرًا بالله تعالى وبأنبيائه كما قاله الراغب"فقياس الوصف بالأخص الوصف بالأعم، وجوابه أنه قياس في معرض النصوص الظاهرة بخلافه، فلا يعتبر.
وقد حكى السيوطي القولين في تأليف سماه إتمام النعمة، ورجح القول بالاختصاص، وذكر له ثلاثة وعشرين دليلا، منها ما رواه ابن راهويه، وابن أبي شيبة عن مكحول: كان لعمر على رجل حق، فأتاه يطلبه، فقال عمر: لا والذي اصطفى محمدًا على البشر، لا أفارقك، فقال اليهودي: والله ما اصطفاه، فلطمه عمر، فأتى النبي فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل يا يهودي آدم صفي الله, وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بل يا يهودي تسمى الله باسمين سمى بهما أمتي هو السلام، وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن, وسمي أمتي المؤمنين"الحديث، وهو صريح في اختصاصنا بوصف الإسلام، وإلا لم يحسن إيراده في معرض التفضيل، إذ كان اليهودي يقول: ونحن وسائر الأمم كذلك.
وأخرج البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن مردويه، عن الحارث الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنم"قال رجل: وإن صام وصلى، قال:"نعم، فادعوا الله بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله". ولابن جرير عن قتادة: ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله, ويعدهم الخير حتى يجيء الإسلام، فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فصريحه اختصاص الإسلام بنا لفرقه بينه وبين الإيمان المتعلق بأهل الأديان، وقوله تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} الآية، دليل على الخصوص، وإلا لقال: الكتابيون نحن مسلمون وديننا الإسلام، وذكر في آخره قول السبكي: القصد من تكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرق لها الاحتمال، فإن كثرت قد تترقى إلى حد يقطع بإرادتها ظاهرًا، ونفي الاحتمال والتأويل، قال: ولذا ذكرت ثلاثة وعشرين دليلا؛ لأن كلا على انفراده يمكن تأويله، وتطرق الاحتمال، فلما كثرت غلب على الظن إرادة ظاهرها، ونفي الاحتمال والتأويل، وعبرت بغلب على الظن دون القطع، لأجل ما عارضها من الآيات التي استدل بها للقول الآخر.
ومنها: قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} الآية.
والجواب أن مسلمين اسم فاعل مراد به الاستقبال على حقيقته، وهو الأصل لا الحال ولا الماضي الذي هو مجاز، والتقدير: إنا كنا من قبل مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا، ويرشحه أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الإخبار بحقية القرآن، وإنهم كانوا على قصد الأسلام به إذا جاء به صلى الله عليه وسلم لما عندهم من صفاته وقرب زمانه، وليس قصدهم الثناء على أنفسهم، بأنهم كانوا بصفة الإسلام؛ لأنه ينبو عنه المقام أو يقدر في الآية: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} الآية، توصف الإسلام سببه القرآن لا التوراة والإنجيل ويرشحه ذكر الصلة في قوله: {قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} الآية، فدل على أنها مراده في الثانية، وحذفت كراهة لتكرارها مرتين في آية واحدة لذكرها في قوله: {آمَنَّا بِهِ} الآية، أو وصفهم به من أول أمرهم اعتبارًا بما ختم لهم من الدخول في الإسلام؛ كقول الأشعري: من كتب الله أن يموت مؤمنًا، فيسمى عند الله مؤمنًا، ولو في حالة كفر سبقت منه، وكذا عكسه فإذا وصف الكافر حال كفره بالإيمان للخاتمة، فلأن يوصف بالإسلام من كان على دين حق لما قدر له من دخوله فيه من باب أولى، انتهى.
هذا ومن خصوصيات الإسلام، أنه يجُبُّ ما قبله، أي: يقطع، روى ابن سعد والطبراني، عن الزبير وجبير بن مطعم، مرفوعًا:"الإسلام يجب ما كان قبله"وفي رواية: يهدم، أي: من كفر وعصيان، وما يترتب عليهما من حقوق الله، أما حقوق عباده، فلا تسقط إجماعًا، ولو كان المسلم ذميًا والحق ماليًا، وظاهره أساء بعده أو أحسن، وأما خبر:"من أحسن في الإسلام لم يؤخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". رواه الشيخان، فوارد على نهج التحذير.
وروى مسلم عن عمرو بن العاصي، قلت: يا رسول الله تبايعني على أن تغفر لي، فقال:"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". ففيه أن كل واحد بمفرده يكفر ما قبله.
قال ابن تيمية: واختص صحبه صلى الله عليه وسلم باسم الأنصار والمهاجرين، فهما اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سماهم بالمسلمين.