فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 847

وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم.

وهذا كله ينفي الذبن والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} .

وقيل: بل كان عليه الصلاة والسلام قد خير في ذلك، وقد روي عن علي قال: جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه.

لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، فكلهم غير عصاة ولا مذنبين.

وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادى في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما عتب الله ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من ام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة على ما تقدم قبل ذلك فلم ينكره الله عليه. لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدروكثرة أسرارها - والله أعلم- إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ"المكتوب فيه جميع ما هو كائن،"إنها"أي: الغنائم"حلال لكم"الانتفاع بها والتصرف فيها،"لعوقبتم"على أخذها،"وهذا كله ينفي الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص"، فلا دليل فيها على تجويز الصغائر على الأنبياء، وأصرح من ذلك ما قال الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفعال: 69] ، أي: انتفعوا به لا خصوص الأكل وذكره لكثرته وغلبته واستدل به الأكثر على أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة.

"وقيل: بل كان عليه الصلاة والسلام قد خير في ذلك"أخذ الفداء والقتل فلما أخذ قيل كان الأولى خلافه،"و"يدل على أنه خير أنه"قد روى"عن الترمذي والنسائي وابن حبان والحكم، بإسناد صحيح، فما كان ينبغي تعبيره.

يروى:"عن علي، قال: جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر"أي: زمنه،"فقال: خير أصحابك في الأسارى أن شاؤا الفداء"فليفدوا"على أن يقتل منهم في العام المقبل"التالي لهذا العام أي: إن الله قدر عليهم إن أخذوا الفدا يقتل من الصحابة"مثلهم"سبعين،"فقالوا": نختار"الفداء، ويقتل منا"مثلهم رغبة في الشهادة.

وعند ابن سعد من مرسل قتادة، فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم، ويدخل القابل منا الجنة سبعون، ففادوهم،"وهذا دليل على أنههم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه"فلا ذنب ولا معصية"لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين"وهو الفداء باجتهاده، وهو جائز بحضرته عليه الصلاة والسلام"مما كان، الأصلح"للإسلام"غيره من الأثخان والقتل"الذي هو أعز الوجهين بيان لغيره"فعوتبوا على ذلك"أي: اختيار غير الاصلح"وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم"وهو عمر،"فكلهم غير عصاة ولا مذنبين"لأن كلا منهم اختار ما أدى إليه اجتهاده ظانًا أن الخير فيه.

قال عياض: وإلى نحو هذا أشار الطبري، وقوله صلى الله عليه وسلم: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر، غشارة إلى أن هذا من تصويب رأيه، ورأى من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين وإظهار كلمته وإبادة عدوه، وأن هذه القصة لو استوجبت عذابًا لنجا عمر، وعينه، لأنه أول من أشار، بقتلهم ولكن الله لم يقدر عليهم ذلك لحله لهم فيما سبق.

وقال الداودي: الخبر بهذا لم يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أنه صلى الله عليه وسلم يحكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر فيه إليه، وقد نزهه الله عن ذلك، هكذا في الشفاء قبل قوله:"وقال القاضي بكر"بن محمد"بن العلاء"بن محمد البصري، ثم المصري، أحد كبار المالكية والمحدثين، له تصانيف جليلة، تقدمت ترجمته،"أخبر الله تعالى نبيه في هذه الأية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء"، وكيف لا يكون الفداء حلالهم قبل ذلك،"وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل هذا"، أي: غزوة بدر"فادى في سرية عبد الله بن جحش"الأسدي، ابن عمته عليه الصلاة والسلام أميمة، أحد السابقين الأولين، استشهد بأحد"التي قتل فيها"عمرو"بن الحضرمي"بسهم رماه به واقد بن عبد الله، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله في سرية يعترض عبر قريش، فنزلوا بطن نخلة، وقتل ابن الحضرمي، وأسر الحكم وعثمان بن عبد الله"بالحكم بن كيسان"متعلق بفادى لا بقتل، وكان الأولى حذف الباء، وأسره المقداد بن الأسود، فأراد ابن جحش قتله، فقال المقداد: دعه، نقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه، واستشهد ببئر معونة،"وصاحبه"عثمان بن عبد الله ذهب حين فدى إلى مكة، فمات بها كافرًا،"فما عتب الله ذلك عليهم"، فلو كان ممنوعًا لعتب""وذلك قبل بدر بأزيد من عام"، هذا سهو، لأن السرية كانت في رجب، وقيل: في جمادى الآخرة، وبدر في رمضان، كلاهما في ثانية الهجرة، فبينهما أقل من ثلاثة أشهر، وقد تعقبوا الشفاء، متبوع المصنف بهذا، ومثله لا يخفى عليهما، ولكن الكمال لله،"فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل"باجتهاد منه ومن أصحابه،"وبصيرة"جريًا"على ما تقدم قبل"، أي: قبل"ذلك"الفعل"مثله، فلم ينكره الله عليه، لكن الله تعالى أراد"وله ما كان لنبي ... إلخ."

"لعظم أمر بدر"بكسرها شوكة المشركين وإرعاب قلوبهم، فلو زادوا بقتل الاسرى كان أقوى،"وكثرة أسرارها"،جمع أسير،"الله أعلم"بما أراد جملة معترضة""إظهار نعمته"مفعول أراد، أي: ظهورها على المسلمين،"وتأكيد منته"عليهم"بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ"على أحد الوجوه السابقة قريبًا في المراد بالكتاب"من حل ذلك"لهم،"لا على وجه عتاب"أي: لوم، بل لبيان النعمة"أو إنكار"عليهم"أو تذنيب"أي: نسبتهم لذنب في فعلهم"قال القاضي عياض رحمه الله تعالى": في الشفاء من أول قوله: وليس في هذا إلزام ذنب إلى هنا وهو وجيه خلافًا لقول بعض شراحه؛ أنه تكلف لا ينبغي ارتكابه، والحق أنه عتاب من الله."

وفي فتح الباري: اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر، لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر عليه الأمر، ولدخول كثير منهم في الإسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى في حق من كتب له الرحمة، وأما من رجح الرأي الآخر، فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء، وهو ظاهر، لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول، بل ورد للغشارة إلى ذم من آثر شيئًا من الدنيا على الآخرة، ولو قل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت