فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 847

وقوله: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} : أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الغسلام ويستولي أهله.

وليس في هذا إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء عليه الصلاة والسلام فكأنه عز وجل قال: ما كان هذا لنبي غيرك كما قال عليه الصلاة والسلام:"أحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي".

وأما قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} فقيل المراد بالخطاب من أراد ذلك منهم وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ولا عليه أصحابه.

بل قد روي عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو.

ثم قال تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} فاختلف المفسرون في معنى هذه الآية:

فقيل معناه: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم، فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية.

وقيل: لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي حديث أنس عند أحمد فأنزل الله {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فقال صلى الله عليه وسلم: إن كان ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، وقوله: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} أيك يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله"على البلاد ويل: معنى يثخن: يتمكن في الأرضن وما كان نفي للكون، وجاء بمعنى لا يليق ولا ينبغي أن يأتي به، وبه سر المستدل بالآية على الصغائر وقد رده، بقوله:"وليس في هذا إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم، بل فيه بيان ما خص به"إكرامًا له،"وفضل به من بين سائر"باقي"الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه عز وجل، قال: ما كان هذا؟"أي: لم يقع"لنبي غيرك، كما قال عليه الصلاة والسلام: أحلت لي الغنائم"."

وفي رواية المغانم:"ولم تحل لنبي قبلي"، قيل: ليس في الآية دليل على ما قال المصنف، بخلاف الحديث، ورد بأن الفداء في معنى الغنائم، لأنه مال مأخوذ من الكفرة، فذكرل الحديث إشارة إلى أنه يؤيد هذا التأويل، وفي المسائل الأربعين للرازي، العتاب وقع هنا على ترك الأولى، لأن الأفضل في ذلك الوقت الإثخان وترك الفداء قطعًا للأطماع، ولوا أنه خلاف الأولى، ما فوضه صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وفي حواشيه للقرافي الصواب إنه فوض الاجتهاد في أمر الاسرى له، ففوضه لأصحابه، فرأى عمر القتل، وكان هو المصلحة، وهو من إحدى موافقاته، واجتهاد الصحابة لم يؤد للمصلحة، فخلص عمر ولم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم لبذل جهده في اجتهاده، فله الأجر.

ولذا قال: عرض علي عذابكم دون عذابي، لخروجه عن موجبه ببذل جهده وإلى هذا ذهب فحول العلماء جمعًا بين ظاهر الاية وما يجب لمقامه صلى الله عليه وسلم من العصمة، وأما قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} "فقيل"في الجواب:"المراد بالخطاب من أراد ذلك منهم"أي: الصحابة:"وتجرد": خلص وتمحض"غرضه"بمعجمتين، أي: قصده"لعرض"بمهملة"الدنيا وحده"، أي: منفردًا عن قصد ثواب الآخرة، وهو مؤكد لما قبله،"والاستكثار منها"بأخذ ما يناله،"وليس المراد بهذا"الخطاب"النبي صلى الله عليه وسلم"لشرف نفسه عن النظر لها،"ولا عليه""بكسر العين وإسكان اللام وخفة الياء"، أي: معظم"أصحابه"كأبي بكر، وأن أشار بالفداء، فلرجاء الإسلام والتقوى على الكفار ومراعاة القرابة، كما مر،"بل"إضراب انتقالي.

"قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسلب""بفتحتين"ما يسلب، أي: يؤخذ من القتلى من لباس ونحوه،"وجمع الغنائم عن القتال"متعلق باشتغل"حتى خشي عمر أن يعطف"يرجع"عليهم العدو"كارًا،"ثم قال تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] ، تقدم على هذه القصة بإحلال الغنائم والاسرى لكم {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] ،"فاختلف المفسرون"في معنى هذه الأية، فإن أردت بيان معناه"فقيل: معناه"كما نقله الطبري عن محمد بن علي بن الحسين"لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم"على ما أخذت من الفداء، إذ لو كان منهيًا عنه محرمًا لاستحق بمخالفته العذاب، فامراد بالكتاب حكم الله الذي كتبه وقدهر،"فهذا"التفسير"ينفي": يمنع"أن يكون أمر الأسرى"أي: فداؤهم"معصية لعدم النهي عنه.

"وقيل": المعنى"لولا إيمانكم بالقرآن، وهو الكتاب السابق"، المراد في قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} ،"فاستوجبتم به الصفح": عدم المؤاخذة"لعوقبتم على"أخذ

"الغنائم"وما في حكمها من الفداء.

قال عياض: ويزاد هذا القول تفسيرًا وبيانًا بأن يقال: لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم كما عوقب من تعدى، أي: تجاوز ما نهى عنه، فالكتاب على هذا القرآن وسبقه تقدمه أزلًا، أو لتقدم ما نزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت