فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 847

فإن قلت: ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في قبول الجزية؟

فأجاب ابن بطال: بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عليه الصلاة والسلام عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض في أيامه المال حتى لا يقبله أحد، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان بالله وحده، انتهى.

وأجاب الشيخ ولي الدين ابن العراقي: بأن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل, وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم، فإذا نزل عيسى عليه الصلاة والسلام زالت تلك الشبه بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته.

قال وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له. قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"فإن قلت: ما المعنى"أي: السر والحكمة"في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في"منع"قبول الجزية"أهو تعبدي أم معقول المعنى؟

"فأجاب"أي: فأقول في ذلك، أجاب: فلا حاجة للفاء لدخولها على ماض مترف، وهو صالح لكونه جواب الشرط، ونقل البدر بن مالك جوازه، اعترض بأن ظاهره الإطلاق، وليس كذلك، بل الماضي المتصرف، المجرد ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الذي لم يقصد به وعد أو وعيد، نحو: إن قام زيد قام عمرو، وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الماضي لفظًا ومعنى، نحو: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} ، وقد معه مقدرة، وضرب يجوز اقترانه بالفاء وهو المستقبل معنى، وقصد به وعد أو وعيد، نحو: ومن جاء بالسيئة فكبت، لأنه إذا كان وعدًا أو وعيدًا حسن أن يقدر ماضي المعنى، فعومل معاملة الماضي حقيقة، وقد نص أبوه على هذا التفصيل في شرح كافيته"ابن بطال"أبو الحسن علي في شرح البخاري،"بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عليه الصلاة والسلام عند خروجه"أي: ظهوره ونزوله من السماء إلى الأرض"إلى مال لأنه يفيض"بفتح أوله، وكسر الفاء، وبالضاد المعجمة، أي: يكثر"في أيامه المال حتى لا يقبله أحد"كما قال في الصحيحين ولمسلم في رواية: وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد.

قال الحافظ: وسبب كثرته نزول البركات بسبب العدل وعدم الظلم، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها ويقل الراغب في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة،"فلا يقبل إلا القتل"أي: لا يحكم إلا به، فعبر بنفي القبول عن فعل القتل تجوزًا، نحو: وزججن الحواجب والعيونا،"أو الإيمان بالله وحده، انتهى"جواب ابن بطال.

"وأجاب الشيخ ولي الدين"أحمد"ابن العراقي؛ بأن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة"بالضم، أي: التباس"ما بأيديهم من التوراة والإنجيل"عليهم، فظنوا بسبب الالتباس حقية ما هم عليه،"وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم"وهذه الشبهة، والتعلق وإن كانا باطلين لقيام الأدلة الواضحة على حقية الإسلام وبطلان ما سواه، لكنهم عذروا في الجملة لذلك، فاكتفى منهم بما دل على ذلهم وانقيادهم لبعض أحكام الإسلام، قهرًا عليهم،"فإذا نزل عيسى عليه الصلاة والسلام زالت تلك الشبهة بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام والحكم يزول بزوال علته"وهذا أيضًا ملحظ جواب ابن بطال.

"قال: وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له، قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى"وكان وجه أولويته، أنه مبني على علة معنوية معقولة دون جواب ابن بطال، وهو ظاهر في زوال شبهة النصارى بنزوله.

وأما زوالها عن اليهود بنزوله، فكأنه لأنهم زعموا هم والنصارى بقاء شرعهما مع شريعة الإسلام، وفي الفتح قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء للرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله كذبهم؛ وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غرها، وقيل: إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أوجه.

وفي مسلم عن ابن عمرو: أنه يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس: أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة: يقيم بها أربعين سنة.

وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا:"ينزل عيسى عليه السلام وعليه ثوبان ممصران، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، وتلعب الصبيان بالحيات، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت