وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس.
وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم؟ أم لا؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص.
وقالت عائشة: قام صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:"أفلا أكون عبدا شكورا". قالت: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس"واستشكل محمد بن نصر ذلك بأن الآية تدل على أن قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] إنما نزلت بالمدينة لقوله فيها: {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة والإسراء كان قبل ذلك.
قال الحافظ: وما استدل به غير واضح، لأن قوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} [المزمل: 20] ظاهر في الاستقبال، فكأنه سبحانه امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع.
"وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة"عامر بن الجراح"في جيش الخبط"بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة،"وكان ذلك بعد الهجرة"بمدة،"لكن في إسناده علي بن زيد"بن عبد الله بن زهير بن عبد الله"بن جدعان"بضم الجيم وسكون الدال وعين مهملتين نسب إلى جد جده لشهرته التيمي القرشي الحجازي، ثم البصري، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة"وهو ضعيف"فلا حجة فيه لدعوى أن الآية الناسخة للوجوب مدنية وهو مخالف لما عليه الأكثر أن السورة كلها مكية، نعم ذكر النحاس أنها مكية إلا الآية الأخيرة.
"فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا"بإجماع، وشذ بعض التابعين فأوجبه ولو قدر حلب شاة."وهل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم أم لا"؟ أكثر الأصحاب"الشافعية"لا"أي: لم ينسخ في حقه"والصحيح: نعم"نسخ"ونقله الشيخ أبو حامد عن النص"للإمام الشافعي، قال النووي: وهو الأصح أو الصحيح، ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه. انتهى."
يعني: حديثها السابق ودلالته ليست بقوية لاحتماله،"وقالت عائشة"رضي الله عنها:"قام صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه"غلظت وانتفخت من كثرة التهجد،"وفي رواية"عن عائشة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل"حتى تفطرت"أي: تشققت"قدماه"من كثرة القيام.
قال البخاري: والفطور الشقوق انفطرت: انشقت، وللنسائي عن أبي هريرة حتى تزلع قدماه، بزاي وعين مهملة، قال الحافظ: ولا اختلاف بين هذه الروايات إذ حصل الانتفاخ والورم وحصل الزلع والتشقق، "فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:"أفلا أكون عبدا شكورا". كثير الشكر، وخص العبد بالذكر إشعارا بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، والعبودية ليست إلا بالعبادة والعبادة عين الشكر."
"قالت"عائشة:"فلما بدن"بفتح الموحدة والدال المهملة كذا رواه العذري وارتضاه أبو عبيد، أي: كبر وأسن، وقال عياض بدن بضم الدال مخففة، كذا رويناه عن الأكثر وعن العبدري بالتشديد وأراه إصلاحا، وقال أبو عبيد: من رواه بضم الدال المخففة فليس له معنى، لأنه من البدانة وهي كثرة اللحم ولم يكن صلى الله عليه وسلم سمينا ولا ينكر التخفيف فقد صحت به الرواية، وقد جاء معناه مفسرا من قول عائشة: فلما كبر وأخذ اللحم، وفي رواية أسن وكثر لحمه وقول أبي عبيد لم يكن ذلك وصفه صلى الله عليه وسلم صحيح، لأنه لم يكن في أصل خلقته بادنا كثير اللحم لنه لما أسن، وضعف عن كثير مما كان يحتمله في حال النشاط من الأعمال الشاقة استرخى لحمه، وزاد على ما كان في أصل خلقته زيادة يسيرة بحيث يصدق عليه ذلك الاسم، قاله القرطبي.
وقال النووي: الذي ضبطناه ووقع في أكثر نسخ بلادنا بالتشديد"وكثر لحمه صلى جالسا فإذا أراد أن يركع قام، فقرأ"في رواية للشيخين حتى إذا بقي نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأهن،"ثم ركع، رواه البخاري ومسلم"ولا يخالفه حديث عائشة في مسلم أيضا كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد لحمله على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعا بين الحديثين، ولأبي داود وصححه الحاكم من أم قيس بنت محصن، أنه صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه.