فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 847

(فصل)

وقد كان في قصة أُحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة:

منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية, وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن لا يبرحوا منه.

ومنها: إن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائمًا لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب, وذلك أنَّ نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين, فلمَّا جرت هذه القصة وأَظْهرَ أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول, عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًّا في دورهم, فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم.

ومنها: أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها, فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع المنافقون.

ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيِّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.

ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها.

ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد كان في قصة أُحد"كما نقله في الفتح عن العلماء:"وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة, منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي،"أي: المنهيّ عنه،"لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن ايبرحوا منه", وإلى هذا أشار - سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] الآية، إلى قوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 152] الآية."

أخرج الطبري عن السدي وغيره: إن المراد بالوعد قوله - صلى الله عليه وسلم- للرماة:"إنكم ستظهرون"

عليهم فلا تبرحوا من مكانكم حتى آمركم", وعن قتادة ومجاهد: تحسونهم، أي: تقتلونهم. وقال البخاري وابن هشام: تستأصلونهم قتلًا، وهو من كلام أبي عبيدة."

قال جرير:

تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجمّ الحصيد

قال ابن مسعود: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية يوم أحد: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] الآية. رواه السدي، وقد يرد عليه قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67] الآية، فإنها نزلت في شأن بدر وهي قبل هذه.

"ومنها: أنّ عادة الرسل أن تبتلى، وتكون لهم العاقبة"كما قاله هرقل لأبي سفيان,"والحكمة في ذلك: أن لو انتصروا دائمًا، لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره"كما قال تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] الآية، ذكره ليدل على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفى عليه ما في الصدور وغيرها؛ لأنه عالم بجميع المعلومات، وإنما ابتلاهم لمحض الإلهية، أي: للاستصلاح."ولو انكسرو دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب"كما قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] الآية، أي: المنافقين من المؤمنين،"وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين"أي: مستورًا، اسم مفعول من خفاء لا من خفي، فإنه لازم ولا يأتي المفعول منه إلّا بالصلة,"فلمَّا جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول"كانخزالهم وقولهم: لو نعلم قتالًا لاتَّبعناكم،"عاد التلويح تصريحًا"أي: عاد ما كانوا يضمرونه ويتكلمون به فيما بينهم ويخفونه عن المسلمين مصرحًا

به،"وعرف المسلمون أنَّ لهم عدوًّا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، ومنها: أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس، وكسرًا لشماختها"تكبرها وتعاظمها، تفسير لهمضها،"فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع"بكسر الزاي"المنافقون"أي: لم يصبروا.

"ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته"الجنة،"لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمِحَن"جمع محنة، مساوٍ للابتلاء،"ليصلوا إليها"كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين} [آل عمران: 142] .

قال ابن إسحاق: أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أخبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان بي, والصبر على ما أصابكم فيّ.

"ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها،"إكرامًا لهم؛ حيث اتخذ منهم شهداء، وقد قال - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده, لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنِّي, ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلَّفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله, ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل"رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

"ومنها: أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك"؛ حيث اعتقدوا أنهم على شيء من ظفرهم الصوري بالمسلمين، فزادوا وعتوًّا وتجبرًا، وإلّا فقد ألقى في قلوبهم الرعب"من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين،"التمحيص التخليص من الشيء المعيب، وقيل: هو الابتلاء والاختيار. قال:

رأيت فصيلًا كأن شيئًا ملفقًا ... فكشفه التمحيص حتى بداليا

"ومحق بذلك الكافرين"كما قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين} الآية. أي: يهلك الكافرين الذين حاربوا يوم أحد ولم يسلموا؛ لأنه تعالى لم يمحق كل كافر، بل بقي منهم كثير على كفرهم. والمعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كان على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.

ومنها: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام تعظيمًا لأجرهم, تأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين.

قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أُحد ستين آية من آل عمران.

وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى من طريق المسْوَر بن مخْرَمَة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم أُحد؟ قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها، {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى قوله: {أَمَنَةً نُعَاسًا} . قال: ألقى عليهم النوم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت