وهذا معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى.
وانظر ما في نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] من ذكر"الرب"تعالى وإضافته إليه صلى الله عليه وسلم، ومال في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب، له الحظ الأعظم، والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذا هو في الحقيقة أعظم خلفائه.
ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أمّ بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه.
وبالجملة، فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته، وتعظيم قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] ، وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله تعالى: {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] وأخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 66] ، وهذا بحر لا ينفد وقطر لا يعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وهذا معلوم بالعرف؛ أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبلاغة في تعظميه واحترامه. انتهى"إذا العدول عن الاسم العلم يقتضي ذلك عرفًا، ولذا قال الله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] .
"وانظر"نظر تأمل وتدبر في المعاني المستنبطة من الألفاظ،"ما في نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] الآية، من ذكر الرب تعالى"المشعر بمزيد الرأفة"وإضافته"أي: رب،"إليه صلى الله عليه وسلم"بقوله: ربك،"وما في ذلك من التنبيه على شرفه"بإضافته إليه،"واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها"، وهي هنا خلافة الله في الأرض، فلا ريب أن له النصيب الأوفى منها،"إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه"الخلق إلى ذلك: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] "وجعله أفضل أنبيائه"، بدليل أنه"أم بهم ليلة إسرائه"بتقديم جبريل له، والحق في الإمامة للأفضل،"وجعل آدم فمن دونه"أي: فمن بعده،"يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه"الدنيا"وجزائه"الآخرة""
وبالجملة فقد تضمن الكتاب العزيز"القوي الغالب،"من التصريح بجليل رتبته وتعظيم قدره"، أي: رتبته وشرفه،"وعلو منصبه"، بزنة مسجد العلو والرفعة، كما في المصباح كغيره،"ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم"أي: أعلاها،"ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة"معاملة وشفقة، والماعلة مجازية لتنزيل استحقاقه بمنزلة فعله، أو هي لأصل الفعل بلا مشاركة،"قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] فقدم عفا الله عنك، دعامة تقصد بها الملاطفة، إذ هو خبر معناه: لا عهدة عليك، وليس المعنى أن الإذن ذنب يتعلق به العقوبة؛ لأن مسامحته لهم مع أذاهم إسقاط للحظوظ، فهو عتب بلطف، لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت في طاعة الله ومحبته، والرفق بالبر والفاجر ما أجحف بك، فهو من عتب الحبيب من حيفة على نفسه، وتخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، ويأتي بسط هذا إن شاء الله.
"و"يكفي في ذلك أيضًا"تقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له"إذ التقديم يعطيه،"مع تأخره عنهم في الوجود في قوله تعالى": {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} قيل معناه: تبليغ الرسالة وتصديق بعضهم بعضًا، وقيل: أن يعلنوا بنبوة المصطفى، ويعلن هو بأنه لا بني بعده، ففيها تفضيل له من وجوه، منها: أنه ذكر النبيين جملة، ثم خص بالذكر بعضهم تشريفًا لهم، وقدمه صلى الله عليه وسلم عليهم تشريفًا على تشريف، وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم في قول، وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا} للتنبيه، {لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 66] ، وهذا بحر لا ينفد""بفتح الفاء: لا يفرغ"وقطر"بفتح القاف وسكون الطاء"، أي: مطر"لا يعد"لكثرته، أو"بضم القاف"، أي: إقليم لا يمكن عد نواحيه وبلاده لكثرتها، جوازهما شيخنا في التقرير، واقتصر في الحاشية، على الفتح؛ لأنه أظهر والله أعلم."