فإن قلت: هل أذن عليه الصلاة والسلام بنفسه قط؟
أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح، قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه عليه السلام أذن بنفسه. انتهى.
وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة.
وكذا جزم النووي بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه.
ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال السهيلي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي التحفة: أذن - صلى الله عليه وسلم - مرة، فقال:"أشهد أن محمدًا رسول الله"، انتهى. هذا وإنما لم يواظب صلى الله عليه وسلم على الأذان مع فضله المنوه عليه، بنحو قوله صلى الله عليه وسلم:"المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة"أخرج مسلم. وفي شعب البيهقي عن داود السجستاني:"المؤذنون لا يعطشون يوم"
القيامة"فأعناقهم قائمة لاشتغاله، كما قال العز بن عبد السلام في الفتاوي الموصلية بالقيام بأعباء الرسالة ومصالح الشريعة، كالقتال والفصل بين الناس وغير ذلك التي هي خير من الأذان وأفضل. لذا قال عمر: لولا الخليفي لأذنت، ولأنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه، وقول بعضهم مخافة أن يعتقد أن محمدًا غيره، إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، انتهى ملخصا."
وفي الفتح: اختلف في الجمع بين الإمامة والأذان، فقيل: يكره.
وفي البيهقي عن جابر مرفوعا:"النهي عن ذلك"، لكن سنده ضعيف وصح عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت، رواه سعيد بن منصور وغيره.
وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصححه النووي، انتهى. وقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شرح الترغيب تبعا للنيسابوري وغيره؛ لأن فيه ثناء وتزكية وشهادة للنفس وهي غير مقبولة، ولأن في حي على الصلاة أمر إيجاب، فإن معناه: أقبلوا، فلو أذن لوجبت الإجابة مردود بأن النهي عن تزكية النفس إنما هو إذا كان افتخارا وهو منه عليه السلام ليس كذلك، بل تحدثا بالنعمة وعدم قبول الشهادة للنفس إنما هو في نحو حق ما لي على غيره، وهذا ليس منه، بل هي سهادة أريد بها طلب ما أوجبه الله على الناس إنقاذا لهم من الضلال، ولا يزيد قوله في الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، على قوله للناس: أدعوكم إلى وحدانية الله وشهادة أني رسوله، فلم يخرج عن قوله تعالى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] على أن من خصائصه أن يشهد ويحكم لنفسه، وليس القصد بحي على الصلاة في الأذان خصوص لطلب الحضور، بل الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه شرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة.