(فصل)
واختلفوا: لم سميت (الفاتحة) مثاني، فعن الحسن وابن عباس وقتادة لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل صلاة، وقيل لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما في حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين".
وقيل: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة.
وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة، فما أعطاها غيرهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة وآخرها سورة الأنفال مع التوبة، وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال.
قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر تثنت فيها.
وقال طاوس: القرآن كله مثاني، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] ، وسمي القرآن مثاني لأن القصص تثنت فيه والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"واختلفوا: لم سميت"الفاتة"مثاني؟ فعن الحسن"البصري،"وابن عباس"عبد الله،"وقتادة"بن دعامة:"لأنها تثنى"، أي: تكرر"في الصلاة، فتقرأ في كل صلاة": من ثنيت الشيء بالتثقيل، جعلته اثنين، لكن ليس المراد خصوص الاثنين، بل مطلق التكرير، كما أن المراد قراءتها في جميع الصلوات حتى الركعة كالوتر، ويدل له قول عمر عند ابن جرير: لأنها تثنى في كل ركعة، أي: تقرأ.
"وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين"باعتبار المعنى لا اللفظ، لأن نصف الدعاء من قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الآية، يزيد على نصف الثناء، أو المراد قسمين، والنصف قد يراد به أحد قسمي الشيء، إن كان بينهما تفاوت"نصفها ثناء"على الله وعبادة له،"ونصفها دعاء"طلب منه تعالى ليثني العبد على ربه، ثم يدعوه فيجيب دعاءه؛"كما في حديث أبي هريرة"عند مالك ومسلم، وأحمد، وأبي يعلى، عنه صلى الله عليه وسلم:"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة"أي: قراءتها بدليل تفسيره بها، قال المنذري. أو يعني الفاتحة، سميت صلاة لأنها لا تصح إلا بها؛ كقوله:"الحج عرفة"وقيل: من أسماء الفاتحة الصلاة، فهي المعنية في الحديث."بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} ، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، هذا بقية الحديث عندهم.
قال الحافظ: لم يخرجه البخاري، لأنه ليس على شرطه، ولكن أشار إليه فيه،"وقيل: لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة"حكاه قوم؛ لأنه قد يتكرر النزول للتذكير، أو موعظة، أو تعظيم شأنه، لكن في فتح الباري يستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة؛ أنها مكية، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد، ووجه الدلالة، أنه سبحانه امتن على رسوله بها، وسورة الحجر مكية اتفاقًا، فيدل لى تقدم نزول الفاتحة عليها.
قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد؛ لأن العلماء على خلاف، قوله: وأغرب بعض المتأخرين، فنسب القول بذلك لأبي هريرة، والزهري, وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتين، انتهى.
"وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها"بدال مهملة، وقد تعجم: أعدها"لهذه الأمة"عطف تفسير،"فما أعطاها غيرهم"روى البيهقي وغيره عن أنس، رفعه:"إن الله أعطاني فيما من علي، أن قال: إني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين".
"وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس"فيما رواه النسائي، والطبري، والحاكم، بإسناد صحيح:"أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها سورة الأنفال مع التوبة"لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذا لم يفصل بينهما بالبسملة، وفي لفظ للطبري: البقرة, وآل عمران, والنساء، والمائدة، والأنعام, والأعراف، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها،"وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال"مع التوبة، قال الحافظ: رواه ابن أبي حاتم صحيحًا عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعند الحاكم: أنها الكهف، وزاد: قيل له: ما المثاني؟ قال: تثنى فيهن القصص.
"قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض، والحدود، والأمثال والعبر تثنت"تعددت وتكررت"فيها"وهذا قول مشهور أيضًا في تفسير المثاني وإن رجح الأول، وقد أخرج الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: السبع المثاني فاتحة الكتاب. قلت للربيع: إنهم يقولون: إنها السبع الطوال، قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما نزل من الطوال شيء، وروى الطبري أيضًا عن زيادة بن أبي مريم، قال في {لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} ، قال: مر وانه، وبشر وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم والإيتاء، وحكي في الشفاء: أنها السبع كرامات: الهدى والنبوة، والرحمة والشفاعة، والولاية والتعظيم، والسكينة، ورجح ابن جرير الأول، أي: الفاتحة لصحة الخبر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"وقال طاوس: القرآن كله مثاني، قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا} الآية يدل من أحسن، أي: قرءانًا {مُتَشَابِهًا} أي: يشبه بعضه بعضًا في النظم، وغيره {مَثَانِي} ، وسمي القرآن مثاني؛ لأن القصص تثنت فيه"ولأنه ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرما.
وفي البيضاوي: وقيل سبع صحائف، وهي الإسباع، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآن، أو كتب الله كلها، فتكون من للتبعيض، والقرآن العظيم إن أريد السبع آيات أو السور، فمن عطف الكل على البعض، أو العام على الخاص، وإن أريد الإسباع، فمن عطف أحد الوصفين على الآخر،"والله أعلم"بما أراد.