وانفجر جرح سعد بن معاذ، فمات شهيدا.
وفي البخاري أنه دعا: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة لامرأة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها.
وقد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيه من المشركين، فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24] ثم وقعت الهدنة واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيا ففتحت مكة، فعلى هذا: فالمراد بقوله: أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام:"إلا أن نغزوهم ولا يغزونا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وانفجر"لما انقضى شأن بني قريظة"جرح"بضم الجيم"سعد بن معاذ"الذي أصابه من ابن العرقة في الخندق في أكحله،"فمات شهيدا"كذا قال ابن إسحاق وغيره، ولعل مرادهم شهيد الآخرة؛ لأنه لم يمت عقب الجرح، بل عاش حتى شرف على البراء وأيضا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وغسل، فلو كان شهيد المعركة لم يفعل به ذلك.
"وفي البخاري"في الصلاة والهجرة والمغازي عن عائشة"أنه دعا،"وزاد مسلم: وتحجر كلمه للبرء، أي: تيبس، أي: أنه دعا بذلك لما كاد جرحه يبرأ، ولفظ البخاري عن عائشة أن سعدا، قال:"اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد"، أي: قوم"أحب إلي أن أجاهدهم فيك"جملة في تأويل المصدر فاعل اسم التفضيل"من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه"من وطنه، بيان للمفضل عليه الواقع في حيز النفي، فكان جهاده مفضل ومفضل عليه باعتبارين، كمسألة الكحل المشهورة، ثم مدلول هذه العبارة عرفا أن جهاد هؤلاء أحب إليه من جهاد غيرهم، ولو كانوا كفارا، وإن صدق لغة بالتساوي على نحو: ما ركبك خلق أكرم على الله منه، وقد أفاد المصنف بسوق هذا الحديث هنا، وبما قدمه من دعاء سعد بذلك في الخندق، أنه دعا به في الوقتين.
"اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب"بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب،"فافجرها"هذا كله قول سعد في البخاري، فكأن المصنف حذفه اختصارا والضمير للجراحة، والهمزة للوصل، والجيم مضمومة،"واجعل موتي فيها"لأفوز بموتة الشهادة.
قال الحافظ: فيه جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت، وفيه صبر سعد"فانفجرت من لبته"بفتح اللام والموحدة المشددة، موضع القلادة من صدره، وهي رواية مسلم والإسماعيلي، وللكشميهني من ليلته وهو تصحيف.
ففي رواية ابن خزيمة: فإذا لبته قد انفجرت من كلمه، أي: من جرحه، وكان موضع الجروح ورم حتى وصل إلى صدره، فانفجر من ثم قاله الحافظ،"فلم يرعهم"بفتح أوله، وضم ثانيه وتسكين العين المهملة، أي: لم يفزع أهل المسجد،"وفي المسجد خيمة"جملة حالية لرجل"من بني غفار"بكسر المعجمة وخفة الفاء، أو من خيامهم.
قال الحافظ في المقدمة: هي خيمة رفيدة نزلها قوم من بني غفار، وقال في الفتح: تقدم أن ابن إسحاق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار."إلا الدم"فاعل يرعهم، أي: الخارج من سعد،"يسيل إليهم"أي: أهل المسجد،"فقالوا: يا أهل الخمية ما هذا"الدم"الذي يأتينا من قبلكم؟"بكسر القاف وفتح الموحدة، من جهتكم.
قال المصنف: وهذا يضعف قول الكرماني، وتبه البرماوي أن ضمير يرعهم لبني غفار، والسياق يدل عليه ما لا يخفى. نعم، إن كان ثم خيمة غير التي فيها سعد، فلا إشكال ا. هـ، فبحثوا عن ذلك،"فإذا سعد يغذو"بغين وذال معجمتين، يسيل،"جرحه دما".
وفي رواية ابن خزيمة: فإذا الدم له هدير،"فمات منها،"أي: من تلك الجراحة ولا حمد عن عائشة، فانفجر كلمه، وقد كان برأ الأمثل الخرص، وهو بضم المعجمة، وسكون الراء ثم
مهملة، من حلي الأذن.
وفي مسلم: فما زال الدم يسيل حتى مات، وقد زعم بعض شراح البخاري، أن سعدا لم يصب في هذا الظن لما وقع من الحروب في الغزوات، قال: فيحمل على أنه دعا بذلك فلم يجب، وله ما هو أفضل منه، كما ثبت في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنه أراد بوضع الحرب، أي: في تلك الغزوة خاصة لا فيما بعدها.
"و"رده الحافظ فقال: الذي يظهر لي أنه"قد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا و"، بيان"ذلك، أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب، يكون ابتداء القصد فيه من المشركين"أي: قريش"فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة"سنة الحديبية،"وكاد الحرب أن يقع بينهم، فلم يقع كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} بالحديبية، {مِنْ بَعْدِ أَنْ أَْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حيث طاف ثمانون منهم بعسكركم، ليصيبوا منكم فأخذوا، وأتي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلى سبيلهم فنزلت الآية، رواه مسلم وغيره وهو الصحيح، وقبل في فتح مكة،"ثم وقعت الهدنة"الصلح بينهم على وضع الحرب عشر سنين،"واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل"، سنة سبع،"واستمر ذلك"المذكور من الهدنة،"إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم غازيا"قاصدا"ففتحت مكة"سنة ثمان"فعلى هذا، فالمراد بقوله أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين"فلا ينافي وقوع الحرب بينهم في فتح مكة،؛ لأن القصد فيه إنما كان منه صلى الله عليه وسلم لهم،"وهو كقوله عليه الصلاة والسلام"حين انصرف الأحزاب:"إلا أن نغزوهم وهم لا يغزونا"روى بنون واحدة وبنونين، كما قاله المصنف،"