(تنبيه)
وأما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية.
"ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم، ورشدهم وإسلامهم، وشدة ما يعنتهم ويضربهم في دنياهم وأخراهم، وعزته عليه".
فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شيء؛ لأنه يوهم أن قوله:"وشدة ما يعنتهم"معطوف على متعلق المصدر الذي هو"الحرص"فيكون مخفوضًا به.
ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام، أن الضمير الأول من قوله:"وعزته عليه"عائد على النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير الثاني عائد على الله تعالى، فلا تبقى"الشدة"إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر. ولا يخفى ما في هذا.
وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، ونحو ذلك من المضافات.
والأولى أو الصواب، إن شاء الله تعالى أن تكون"الشدة"معطوفة على نفس المصدر الذي هو"الحرص"ويكون قوله:"وعزته"معطوفًا على"وشدة"والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو"ما"في قوله:"ما يعنتهم"والهاء الثانية في"عليه"عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ثم وصفه بعد"، أي: بعد الإعلام المذكور،"بأوصاف حميدة"، أي: محمودة عند الله والناس، أو حامدة على التجوز في النسبة،"وأثنى عليه بمحامد"جمع محمدة"كثيرة"والنثاء بها، لا يغاير الوصف بصفات حميدة، ولا يعاب مثله في مقام الخطابة، مع أنه لما كانت أوصاف جمع قلة، عقبه بجمع الكثرة دفعًا للإيهام، والأول مطابق لظاهر الآية، والثاني لما تضمنته مما لا يحصى،"من حرصه"بيان لما قبله من الأوصاف وما بعده، أي: من فرط شدته"على هدايتهم"أي: دلالتهم، والمراد طلب تأثيرها لا مجردها،"ورشدهم"أي: صلاحهم ظاهرا وباطنًا ليغاير الهداية، كما يقتضيه ظاهر العطف، فلا يفسر بضد الغي؛ لأنه الهداية،"وإسلامهم"مغاير لما قبله، فلذا عطف بالواو، وجعل ذلك كله متعلق الحرص، لدلالة السياق عليه ولقوله: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُم} [النحل: 37] ، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، والحرص لا يتعلق بالذوات، فإن قيل: لم قدم عياض هذه الصفة، وهي حريص عليكم مع تأخرها في الآية، أجيب: بأنه لما كانت العزة منشأ لحرصه قدمت في الآية على وفق الواقع لبيان حاله في ابتداء أمره، فلما حكاه عياض بيانًا لمحامده، قدم المقصود بالذات الذي هو الحمد، أو؛ لأن المقام مقام مدح، وهو في الحرص أتم وأكمل، وسياق الآية للامتنان، وهو كونه يعز عليه حالهم، فأشار إلى تفاوت المقامين، ولا يرد أن المنة في الحرص أتم؛ لأن مسلك الآية على الترقي، وما هنا بخلافه للتفنن.
"وشدة ما يعنتهم"روي بسكون العين وخفة النون من الإعنات، قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} ، وروي بفتح العين وتثقيل النون، وهما لغتان، أعنت وعنت، بمعنى المشقة والوقوع فيها، ويجيء بمعنى الإثم والفساد والهلاك.
"ويضربهم""بفتح الياء وضم الضاد"وروي بضم الياء وكسر الضاد، مضارع أضر؛ لأنه يقال: ضره وأضر به، ومعناهما أوقعه في الضرر،"في دنياهم وأخراهم"الدنيا تقال في مقابل آخره، وأخرى، كما عبر به،"وعزته عليه"عطف تفسير على شدة، كقوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي} [يوسف: 86] ، وكان المناسب لعطف التفسير تأخير الأشهر الأظهر، فيقول: عزته وشدته، لكنه عكس للمبادرة، للمراد حتى يسلم السامع من عنت الانتظار، ولا حاجة لجعل الشدة غير العزة للتنازع في عليه، فإن التفسير لا ينافي التنازع، وبقية كلام عياض: ورأفته ورحمته بمؤمنيهم.
"فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شيء؛ لأنه يوهم أن قوله: وشدة ما يعنتهم، معطوف على متعلق المصدر الذي هو الحرص"بيان للمصدر، ومتعلقه قوله على هدايتهم،"فيكون مخفوضًا به"فيصير المعنى من حرصه على شدة ما يعنتهم، وهذا فاسد.
"ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام؛ أن الضمير الأول من قوله: وعزته عليه عائد على النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير الثاني عائد على الله تعالى، فلا تبقى الشدة إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر"، أي: قوله على هدايتهم،"ولا يخفى ما في هذا"من الفساد الموهم خلاف المراد،"وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف"مجرور، معطوف على الحرص المجرور بمن،"أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، ونحو ذلك من المضافات"المصححة للمراد.
قال في النسيم: لا حاجة إلى تقدير؛ لأن معنى شدته عليه إنه صعب شاق عليه، فيراد به أنه مكروه تأباه نفسه، فالمعنى من حرصه على هدايته، ومن كراهته لما يضرهم، وصاحب المواهب لم يخف عليه العطف، ولكن أوقعه التقدير فيما وقع فيه. انتهى.
وكأنه لم ير بقية الكلام وهو قوله:"والأولى"من تأويله على حذف مضاف،"أو الصواب"على إبقائه على ظاهره,"إن شاء الله تعالى أن تكون الشدة معطوفة على نفس المصدر الذي هو الحرص"، وكان هذا أولى من تقدير المضاف لما فيه من الاحتياج لتقدير الأصل عدمه،"ويكون قوله: عزته معطوفًا على وشدة، والضمير فيه راجع إلى الموصول،"
وهو ما في قوله: ما يعنتهم"أي: الذي،"والهاء الثانية في عليه عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى"."
والمعنى وصفه وأثنى عليه بمحامد من شدة الذي يعنتهم وعزة الذي يعنتهم على المصطفى.