فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". انتهى.
لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصا إذا كبر، فتقول له: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع العمل بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره.
نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه، فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن من عذاب النار، أن يغفل حال شبيبته، ويتوانى عند ظهور شيبته، فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه."اغتنم خمسا قبل خمس ... وشبابك قبل هرمك". فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] فكيف بقرب من دخل في الصباح، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح؟!
قال القرطبي: ظن من سأله صلى الله عليه وسلم عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، واتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، ومن ثم قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .
وفيه: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد"بضم الكاف، أي: يتعب"نفسه"بحيث يؤدي إلى السآمة،"وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا من الأعمال"صلاة وغيرها"ما تطيقون، فإن الله لا يمل"من الثواب"حتى تملوا"من العمل وإسناد الملال إليه سبحانه على طريق الازدواج والمشاكلة والعرب تذكر أحد اللفظين موافقة للآخر وإن تخالفا معنى قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وإلا فالملال على الله محال، وقيل فيه غير ذلك."انتهى"."
"لكن ربما دست"أتت بأمر خفي من دسه في التراب"النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر خصوصا إذا كبر"بكسر الباء أسن"فتقول له: قد ضعفت"بضم العين"وكبرت فأبق"بقطع الهمزة"على نفسك"ي: ارحمها"لئلا ينقطع عملك بالكلية"أي: جملة"وهذا وإن كان ظاهره جميلا"حسنا"لكن فيه دسائس"جمع دسة أمور خفية،"فإنه إن أطاعه فقد يكون استدارجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا إلى أن ينقطع العمل بالكلية"الجملة"وما ترك سيد المرسلين المغفور له"الممنوع المستور عن الوقوع في ذنب"شيئا من عمله بعد كبره"أي: دخوله في السن،"نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت"تشققت"قدماه"وفي مسلم عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان،"فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار ولا يأمن من عذاب النار أن يغفل"بضم الفاء
"حال شبيبته"صباه"ويتوانى"أي: يتكاسل عند ظهور شيبته بياض شعره المؤذن بالرحيل،"فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه"المؤدي إلى العجز عن الطاعة فيندم على ما فرط في جنب الله، أي: طاعته، وقد أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"اغتنم خمسا قبل خمس"أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء إلى أن قال في الخصلة الرابعة:"وشبابك قبل هرمك"أي: اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك،"فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره"أي: بياضه الساطع المزيل للسواد وآثاره كناية عن الموت المزيل للحياة اللازم للشيخوخة عادة فطلوع النهار بعد سواد الليل مزيل لآثاره، كما أن قوة بياض الشعر واستكمالها مزيل لسواده الذي هو علامة الشبوبية وبلوغ الآمال.
"وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح"الذي أوعدوا بحلول العذاب فيه عليهم: {إِنَّ مَوْعدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب} فكيف بقرب من دخل الصباح"بالفعل كناية عن الدخول في علامات الموت"وظهر كوكب نهاره في أفق"بضم الهمزة والفاء وتسكن، أي: ناحية"رأسه ولاح"ولفظ الحديث لتتميم الفائدة عن ابن عباس، رفعه:"اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك"."
أخرجه البيهقي في الشعب وشيخه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن ابن عباس، ورواه النسائي والبيهقي وأبو نعيم عن عمرو بن ميمون مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه:"اغتنم خمسا"فذكره.
"قال القرطبي"أبو العباس في المفهم:"ظن من سأله صلى الله عليه وسلم عن سبب تحمله المشقة في العبادة"بقوله: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك؟"أنه إنما يعبد"بالبناء للمفعول"الله خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي صلى الله عليه وسلم"بجوابه لهم بقوله:"أفلا أكون عبدا شكورا"،"أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة و"على"اتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة"للمنعم، بأن يفعل ما أمره به، بل ما يعلم أن فيه قياما بحقه وإن لم يأمره،"فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، من ثم قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} أي: المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يؤدي حقه، لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر إلى غير نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرعى عجزه عن الشكر، قاله البيضاوي"وفيه"أي: الحديث"ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف"حيث داوموا على المحافظة على شدة الخوف من الله تعالى"لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد والله أعلم"."