فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 275

وقد لحظ الزمخشري فتور العبارة في قولهم للمؤمنين: آمنا، ووثاقتها في قولهم لإخوانهم: إنا معكم، وفسر ذلك في ضوء ضعف الاعتقاد في الأولى، وقوته في الثانية، قال في ذلك:"فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بـ إن؟"

قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما؛ لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان منهم، ومنشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما؛ لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية، وصدق رغبة واعتقاد، وإما؛ لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وكيف يقولون ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين، والأنصار الذين مثلهم في التوارة والإنجيل، ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} وأما مخاطبة إخوانهم فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية، والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد عن أن يزالوا عنه، على صدق رغبة، ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق"، وقد سبق ابن جني بإشارة نافذة في هذا الباب، فذكر أن التوكيد قد يكون مرجعة إلى اهتمام المتكلم بالمعنى، وأنه مستعظم له وأنه يريد أن ينقله إلى سامعه كما يجده في نفسه، قال في تحليله لبناء قولهم:"شر أهر ذا ناب"، وأنهم قدموا فيه النكرة وبنوا الكلام عليها، وأن ذلك التقديم متعين لإفادة ما قصدوا إليه قال:"وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع من حيث كان أمرا عانيا مهما، وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه، وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شر فقال: شر أهر ذا ناب، أي ما أهر ذا ناب إلا شر تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه، وليس هذا في نفسه كأن يطرق بابه ضيف، أو يلم به مسترشد، فلما عناه وأهمه وكد الإخبار عنه، وأخرج القول مخرج الإغلاظ به والتأهيب لما دعا إليه"."

تأمل قوله تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه تجد قسمة الكلام بين حالي المتكلم والسامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت