قال الخطيب:"ومما يتفرع على هذين الاعتبارين - أعين تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، وتنزيل المنكر منزلة غير المنكر - قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} "
أكد إثبات الموت تأكيدين، وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة، والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: ميتون، دون تموتون، كما سيأتي الفرق بينهما، وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا، وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر بل إما أن يعترف به أو يرتدد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل"."
تلخص لنا من هذا أن التوكيد، والإرسال كليهما ناظر إلى حال المخاطب من الإنكار، وعدمه في الحالتين التحقيقية والاعتبارية، أي أن المتكلم ناظر إلى مخاطبه يصوغ عبارته على ما يقتضيه حاله الحقيقي أو الاعتباري.
وهناك ضروب من التوكيد لا ينظر فيها إلى حال المخاطب، وإنما ينظر فيها المتكلم إلى حال نفسه، ومدى انفعاله بهذه الحقائق، وحرصه على إذاعتها، وتقريرها في النفوس كما أحسها مقررة أكيدة في نفسه، وهذا اللون كثير جدا وله مذاقات حسنة.