فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 275

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى(17)قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)}

قالوا: وقد يذكر المسند إليه رغبة في طول مقام الحديث حين يكون مع من تحب، أو كما قالوا: إرادة بسط الكلام حيث الإصغاء المطلوب، ومنه قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام وقد سأله المولى، وهو بكل شيء علم: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؟ فأجاب: {هِيَ عَصَايَ (18) }

ولم يقل عصاي كما يكون في مثله؛ لأنه يريد بسط الحديث، وطول مقام المتكلم في حضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف ما بعده تشريف، ولهذا أخذ يتحدث عن عصاه، ويذكر مالا يقتضيه السؤال استرسالًا منه في سوق

الحديث فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} .

وقد سأله سبحانه، وهو بكل شيء عليم؛ لأنه أراد لفته إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال كل العصى، فإذا تلقى الأمر بإلقائها، وألقاها ورآها حية تسعى، كان ذلك أبين في بطلان قانونها، وإحالتها عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة، وينبغي أن نذكر بقولهم"البلاغة والإيجاز"، وبما في طبيعة هذه اللغة من ميل إلى التركيز في الصياغة، والتعبير لتؤكد مرة ثانية أنه إذا لم يكن هناك داع قوي يدعو إلى الذكر، فإنه يكون خطرا على الأسلوب، وبلاغته سواء في ذلك الشعر وغيره، فهو مسلك دقيق يوشك أن يكون غير سبيل البلاغة، ولهذا لم يسلم من عثراته إلا حصيف مهدي بفطرة قوية، وحس يقظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت