وخذ قوله تعالى يحكي مقالة سيدنا نوح عليه السلام لقومه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) }
وتأمل كلمة أنلزمكموها، وما فيها من صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالإيات وهم لها كارهون، وانظر كلمة فعميت وما فيها من الإدغام، والتشديد وكيف تصفان معنى التعمية والإلباس.
ولهذا لا أجد في كلمة أطلخم في بيت أبي تمام:
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا
مخالفة للفصيح؛ لأن ثقلها وتداخل حروفها يحكيان الشدة، والاختلاط حين ينبهم الأمر، وتنبعث النوائب العشواء، واطلخم الأمر: اشتد وأظلم، والعشواء، داهية يعشى بها، والغبيس: الدواهي السود، والدهاريس: الدواهي.
والكلمة الواصفة في بيتي امرئ القيس هي كلمة أثيث، ولو جهدت في طلب كلمة صف الشعر الكثيف المسترسل الذي يغشى متن الحسناء لما وجدت، وأوصف من كلمة أثيث، وصوت الثناء المؤذن بتخلل الهواء من بين طرف اللسان والثانيا العليا، وتكرر هذا الصوت يصف معناه بحق.
أما الغرابة فهي أن تكون الكلمة وحشية أي لا يظهر معناها، فتحتاج في معرفتها إلى أن تنظر في كتب اللغة الواسعة، والذوق العربي لا يجب الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، ويجعلونه دليل قساوة الطبع، وتشيع في كلامهم هذه المعاني كما في قولهم: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، وقولهم: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ويصف البحتري بلاغة ابن الزيات:"من الخفيف"
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركـ ... ـن غاية المراد البعيد