فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 275

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16)}

{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} فقد أراد والله أعلم بمراده أن يؤكد سببية التجارة في الربح، فأسند الربح إليها ثم نفى ذلك، ولعلك تقول: إن الآية واردة في سياق بيان ضلال الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وأن هذه التجارة لا ربح فيها، فكيف نقول: إن التجوز في الإسناد مشير إلى قوة سببية هذه التجارة في ربح أصحابها؟

والوجه عندنا أن هذا يشير إلى معنى دقيق هو أنه ينبغي لصاحب العقل، والدين أن يدع هذه البيعة المذكورة في قوله: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} حتى ولو كانت سببا أكيدا للربح فما بالك بها، وهي لست رابحة، وهذا معنى دقيق، وله نظائر في كلام الله، والكلام الفصيح.

ويقول أبو زكريا الفراء في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، وهي أيضا من الشواهد المهمة عند عبد القاهر"ربما قال القائل: كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وخسر بيعك، فحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم، ومثله في كتاب"

الله: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} ، وإنما العزيمة للرجال، فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك إن كانت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع؛ لأنه قد يكون العبد تأجرا، فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو، من معناه إذا كان متجوزًا فيه، فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك، ورقيقك، كان جائزًا لدلالة بعضه على بعض"."

ويقول ابن قتيبة في مخالفة اللفظ معناه:

ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل كقوله سحبانه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} ، أي لا معصوم من أمره، وقوله: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي مدفوق، وقوله: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي مرضي بها، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} ، أي: مأمونا فيه، وقوله: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} ، أي: مبصر بها والعرب تقول: ليل نائم وسر كاتم.

ويقول الآمدي:

وقد جاء فاعل بمعنى مفعول، قالوا: عيشة راضية بمعنى مرضية ولمح باصر، وإنما هو يبصر فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة.

وهذه الإشارات التي ذكرها هؤلاء الأئمة وغيرها كثير، كانت مادة بحث هذا الباب عند عبد القاهر، وإن كان بسطها ووضعها في منهج دقيق، وميز هذا المجاز، وجعله بابا مستقلا. والله الموفق للصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت