وقوله - تعالى - حكاية عن زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (4) }
إظهارًا للضعف والتخشع.
(فائدة)
وقد يقع التجوز في الإسناد والمسند، ومنه قوله تعالى في ضراعة زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}
وهن العظم: أي ضعف وأراد عليه السلام أصابني الوهن، ولكنه جاء على هذه الصورة، وأسند الوهن إلى العظم، وهو للبدن كله ليشير إلى أن العظم الذي هو سناد البدن، وموضع القوة فيه، قد أصابه الوهن فما بالنا بغيره؟ هكذا قال الزمخشري: وتأمل التوافق الصوتي في: إني وهن العظم مني، وكيف دل على عمق ما يجد.
وشاهدنا في قوله: واشتعل الرأس شيبًا، فقد أرادج بالاشتعال ظهور شيب الرأس، ولكنه عبر بالاشتعال على سبيل الاستعارة التبعية ليفيد معنى العموم والمفاجأة في الظهور، وليصف عاطفة نبي الله زكريا عليه السلام، وإحساسه بهذا الشيب الذي كأنه اختطف شبابه في سرعة فائقة أو صيره رمادًا، وكأن الشيب نار اشتعلت في شبابه، ولو قال: ظهر الشيب لكان كأنه يصف ظهور الشيب فقط، ثم جاء إسناد الاشتعال إلى الرأس، والرأس مكان الاشتعال، والمشتعل حقيقة هو الشعر في الرأس، فأكد بهذا إحساسه بعموم الشيب:
قالت قتيلة ما له ... قد جللت شيبا شواته
والشواة جلد الرأس، فقد أسند الشاعر ظهور الشيب الذي عبر عنه بالتجليل أي الغطاء، إلى شواة الرأس، كما أسندت الآية ظهور الشيب المعبر عنه بالاشتعال، ولكن الاستعارة في البيت لم تكن مثل الاستعارة في الآية، ولا في مرتبتها؛ لأن التجليل وإن أفاد التغطية، والعموم أي أن الشيب قد جلل كل رأسه، وغطاه فقد فاته أن يصف بياض الشيب ولألاءه، فالشاعر لم يحس بالشيب إحساسًا مشرقا مضيئًا، ولعله في هذا يعكس شعور صاحبته التي يجري القول على لسانها، والتي برمت بشيبه المغطى المظلم القاتم الذي يشبه في ظلمته غروب الشيخوخة.