فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 275

{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(102)وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(103)}

وتمييز المسند إليه باسم الإشارة ليتقرر الحكم له، من الأساليب الشائعة في الكتاب العزيز، ونعتقد أن الاستشهاد على ذلك تكلف لقوة ظهوره، ولكني أذكر صورة واحدة لتهدي إلى غيرها، اقرأ قول تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}

تجد اسم الإشارة يميز في الأولى الذين ثقلت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم مفلحون، وفي الثانية يميز الذين خفت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم خسروا أنفسهم، وقد ذكرنا مثل هذا في ذكر المسند إليه، كما أن هذه الآية تصلح شاهدًا لذكر المسند إليه، وقد قلنا هناك: إن المسند إليه كان من الممكن أن يدل الكلام عليه لو حذف، ولكنه ذكر لزيادة التقرير والإيضاح، والذي نقوله في قيمة تعريفه باسم الإشارة لا يخرج عن هذا أي أن ذكره باسم الإشارة ليتقرر الحكم عليه لما في الإشارة من التمييز والوضوح، فالتقرير هناك كان سببه الذكر، والتقرير هنا سببه خصوصية في المذكور، فمثل هذا الأسلوب، ومنه أبيات الفرزدق يبحث فيه عن غرض ذكر المسند إليه، وكذلك عن غرض تعريفه بالإشارة، ويبقى بعد ذلك بحث عن سر استعمال نوع معين من الإشارة، كالإشارة للقريب في أبيات الفرزدق، وقد يكون هذا السر هو الإشارة للبعيد في الآية الأولى، فواضح أنه السمو فلاحهم، وبعد منازلهم، والإشارة للبعيد في الآية الثانية تفيد بعدهم عن الرشد، ومنازل الفائزين، وهذا يجعلنا نقف قليلًا لنقول: إن معنى البعد والقرب الكامن في أسماء الإشارة معنى طيع خاضع لسياق الكلام ما دام الذي يصوغ الأسلوب من ذوي البصر في رياضة التراكيب، نجد البعد يعطي ألوانا متعددة، وكذلك القرب كما رأيت في الآية والشعر، وتجد مثله كثيرًا، فالفرزدق، حينما يخاطب جريرًا بقوله:"من الطويل"

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع

نجد البعد في المسند إليه مشيرًا إلى بعد منزلتهم، من أن يتطاول مثل جرير، فيأتي بمثلهم، وقد رأيت دلالة البعد في الآيتين السابقتين، كما رأيت القرب في أبيات الفرزدق مشيرا إلى مخالطته القلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت