وانظر كيف أشار القرآن بالمحافظة بين"اللام"، و"في"في آية الصدقة إلى الأهلية، وأولوية الاستحقاق في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ (60) }
قالوا: فهذه أصناف ثمانية جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها، ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأولى باللام دون علي، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذلك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث
كانت"في"دالة على الوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب. وفي الغرم من الخلاص من الرق، والدين اللذين يشتملان على النفس، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرر الحرف في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي مرة ثانية مع سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه، وشموله لجميع القربات"."
وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.
ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.