فاتباع سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه أهواءهم مستحيل، والمقصود التعريض بغيره،
لأنه من المقطوع به أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لن يتبع أهواءهم أبدا، وما وقع ذلك منه قبل النبوة فكيف بعدها، وفضل هذا الأسلوب على أسلوب التصريح، أن فيه أبلغية في النسبة إليهم؛ لأن المعنى: إذا كان هذا شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الحبيب المقرب فكيف بغيره، ثم فيه تبلغيهم الموعظة من طريق غير مباشر، وهذا أفعل في النفوس وأعطف لها [1] .
ثم في هذا الأسلوب فائدة أخرى جليلة هي الإشارة إلى سلطان الألوهية القاهرة، وتحديد منزلة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا السلطان، وأنه ليس إلا رجلا منكم يخاطب خطابكم، فلا يتوهم متوهم أنه صلى الله عليه وسلم على شيء من صفات الألوهية، وإن قربه ربه أحسن تقريب، وكرمه أكمل تكريم وبهذا، ومثله مما يحدد ويعمق صفة البشرية في رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمن القرآن، ويحفظ نقاء عقيدة التوحيد، فلا يشوبها في الإسلام ما شابها في الشرائع الأخرى، حيث قال النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وشيء آخر في هذا الأسلوب هو الإشارة إلى أن التفاضل، والقرب عند الله مناطه العبادة والتقوى، فأنت يا محمد وإن كنت رسولا من أكرم الرسل، ونبيا مقدما في الأنبياء إنما مرجع ذلك لخشيتك، وتقواك، وعبادتك وخلوصك في الوحدانية، فإذا كان منك غير ذلك حبط كل عمل عملته، ولهذا المعنى يذكر القرآن الأنبياء بلفظ العبد كما في قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} ، للإشارة إلى أن البشرية كلها سواء في العبودية، وإلى أن فضيلة هؤلاء إنما كانت بالعبادة.
[1] العبارة بتصرف يسير من كلام المؤلف في آية سابقة.