ولننظر في قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (29) }
نجد أن مقتضى الظاهر أن يقول: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم، ولكنه عد لإلى الأمر كما ترى؛ لأن المعنى المعبر عنه الذي هو إقامة الصلاة معنى مهم، وقد أفادت هذه المخالفة أن الحديث بلغ مقطعًا من المعنى يجب على السامع أن يلتفت إليه، وهذه قاعدة عامة في كل مخالفة، ثم في توجيه الأمر إليهم بإقامة الصلاة دلالة على مزيد العناية بها، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينفتل إلأيهم عند ذكر الصلاة آمرًا، ومؤكدًا إقامتها، ثم انظر إلى التعبير عن الصلاة بقوله: {بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تجد التعبير بإقامة الوجوه فيه معنى العزة، ورفع الرأس إلى السماء عند مساجد الله حيث تنحى الأصلاب لخالقها، وتسجد في ساحته مؤكدة بذلك أنها لا تنحني لمخلوق ما دامت عرفت الانحناء للخالق، ولا تطأطئ في ساحة طاغية ما دامت سجدت لله رب العالمين لا شريك له، ومن هنا كانت الصلاة، وكان التدين المستنير الواعي ثورة على الفساد في الأرض، ورفضا للطغيان وحربا لا تهادن الاستبداد.