بعد أن ذكرنا ما صح من الأحاديث في حق معاوية رضي الله عنه وهو المنهج الوسط بين الجافي والغالي وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، نأتي على الطرف الآخر فقد رُويت أحاديث باطلة تظهر الغلو في حب معاوية ، وهذه الأحاديث تمثل الطرف الذي غلا في حبه ، ولهذا يقول الإمام الذهبي كلماتٍ جميلة في"السير" (3/128) يقرر فيها ما يصنعه شدة الحب للشخص ، وخاصة من ولد وتربى في مجتمع على حب شخصٍ حبًا يصل إلى الغلو فيه فقال: وَخَلَفَ مُعَاوِيَةَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ يُحِبُّوْنَهُ وَيَتَغَالُوْنَ فِيْهِ ، وَيُفَضِّلُوْنَهُ ، إِمَّا قَدْ مَلَكَهُم بِالكَرَمِ وَالحِلْمِ وَالعَطَاءِ ، وَإِمَّا قَدْ وُلِدُوا فِي الشَّامِ عَلَى حُبِّهِ ، وَتَرَبَّى أَوْلاَدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ .ا.هـ.
ثم يقول بعد ذلك كلاما جميلا: فَبِاللهِ كَيْفَ يَكُوْنُ حَالُ مَنْ نَشَأَ فِي إِقْلِيْمٍ ، لاَ يَكَادُ يُشَاهِدُ فِيْهِ إِلاَّ غَالِيًا فِي الحُبِّ ، مُفْرِطًا فِي البُغْضِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ لَهُ الإِنْصَافُ وَالاعْتِدَالُ ؟ فَنَحْمَدُ اللهَ عَلَى العَافِيَةِ الَّذِي أَوْجَدَنَا فِي زَمَانٍ قَدِ انْمَحَصَ فِيْهِ الحَقُّ ، وَاتَّضَحَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، وَعَرَفْنَا مَآخِذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَتَبَصَّرْنَا ، فَعَذَرْنَا ، وَاسْتَغْفَرْنَا ، وَأَحْبَبْنَا بِاقْتِصَادٍ ، وَتَرَحَّمْنَا عَلَى البُغَاةِ بِتَأْوِيْلٍ سَائِغٍ فِي الجُمْلَةِ ، أَوْ بِخَطَأٍ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَغْفُوْرٍ ، وَقُلْنَا كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ:"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِيْنَ سَبَقُوْنَا بِالإِيْمَانِ . وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوْبِنَا غِلاًّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا" [ الحَشْرُ: 10 ] .ا.هـ.
وبسبب هذا الغلو في حب معاوية رضي الله عنه رويت أحاديث باطلة في حقه .