وجاء عنه ما هو أصرح من ذلك مما يدل على عدم مداهنته ، فثبت عنه أنه كان يتعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ، ويشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة ، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ، كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر في الفتح .
اتهام أبي هريرة رضي الله عنه بالكذب:
عن عروة بن الزبير قال: قال لي أبي: أَدْنِنِي من هذا اليماني ؛ فإنه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأدنيته منه ، فجعل أبو هريرة يحدث ، وجعل الزبير يقول: صدق وكذب ، صدق وكذب .
قال عروة: يا أبت ! ما قولك صدق وكذب ؟
قال: يا بني ، أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك ، ولكن منها ما يضعه على مواضعه ، ومنها ما لا يضعه على مواضعه .
و ما جاء عن عمر: إنه ضربه بالدرة وقال: إنك تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن علي رضي الله عنه: أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة .
وهذه من الكذب عليه رضي الله عنه .
نقول:
1 -إن هذه القصص جميعًا لا تصح ، فقصة عروة هي من نقولات صاحب العقد الفريد وهو متهم بالرفض ، ولا يروي بالأسانيد أصلا .
2 -على فرض صحتها فإنها لا تعني شيئًا ؛ وذلك أن الزبير رضي الله عنه لم يتهم أبا هريرة بالكذب ، بل بأنه يضع الحديث على غير موضعه ، وهذا كما جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: { لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم } وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، عَمَّهم الله بعقابه .
3 -أن عروة بن الزبير رحمه الله هو أحد المكثرين جدًا عن أبي هريرة رضي الله عنه وأحد الرواة المشهورين عنه .
4 -أن الكذب في اللغة قد يطلق على الخطأ قال ابن حبان - رحمه الله -:"وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذبًا [44] ."