إلى أمر آخر، موهما أنَّ المناطين واحد، وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه، والعياذ بالله، ويغلب على الظن أنَّ من أقر بالإسلام ويذم تحريف الكلم عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحًا إلا مع اشتباه يعرض له أو جهل يصده عن الحق مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعًا) [1] .
إنَّ من أصعب الأمور على النفس أن يُكذِّب المرءُ مسلمًا أو يشكِّك في مصداقيته.
ولكن ما هو أصعب منه أن يعرف الناصحُ الحقَّ ثم لا يبينه في أمر عام قد شاع بين الناس، حيث إنَّ الأمر تحول من كونه شخصيًّا إلى شرعي, ومن حق أيِّ مسلم أن ينصح إخوانه المسلمين, فمن هذا الباب يجب أن يعذرنا الأخوة الغيارى، ولا يظنوا بنا أنا نريد فتنةً بهذا الكتاب، فالغيرة على العلم والدين ينبغي أن تكون عظيمة. ومن كان محبًّا للحق كان أعظم ما يُهدى إليه أن يُنصح في منع الناس من تقليده في باطل.
يقول الكاتب ص 29: (والشاهد من الكلام أنَّ المجلس قد دعا الوجهاء ومن يصلحوا أن يكونوا في موضع الشورى من أهل العراق للانضمام والتوحد، وكان آخر الخطوات المباركة الإعلان عن تشكيل حلف المطيبين، والذي دعا الوجهاء والفضلاء من أهل العراق من العلماء ورؤساء العشائر وقادة الجهاد، واستجاب من استجاب وكانوا خيرًا وبركة، ومن لم يفعل فوزره بين كتفيه ليس له من الحمل نصيب، وليس له مساغ مقبول في تأخره وانكفائه عن الاجتماع والتآلف الذي يطلبه الشرع ويحث عليه بكل سبيل، مع وجود ما يمكن أن يكون رابطة يلتحم من خلالها أهل الحل والعقد وتلتئم صفوفهم) .
إنَّ الذي يعرف واقع العراق يعلم جيدًا أنَّ معظم أهل العلم ورؤساء العشائر وقادة الجهاد والوجهاء والفضلاء يرفضون الغلو، ويعتقدون أنه السبب الأكبر في فقدان المجاهدين حاضنتهم الاجتماعية التي أثمرت قلة العمليات الجهادية! وذلك بسبب أفعال
(1) الاعتصام 1/ 249.