صنفني كما يحلو لك، لكن اصبر على قراءة نصيحتي، فإن شئت بعد قراءتها إحراقها فاحرقها، وإن شئت نشرها فانشرها!
صنفني، وإياك أن تخرجني من الإسلام، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، مجتنبًا كل ناقض من نواقضهما القولية والعملية والاعتقادية.
صنفني كما يحلو لك، ولكن إياك ثم إياك أن تترك نصيحتي بناءً على تصنيفك إياي.
لقد أبقى النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه ثلاث ليالٍ يحرس التمر في جرين الصدقة، ويعاني السهر، ويراقب الموقف في وقت التهجد والوتر، فيرى الصحابي الدابة السارقة، ويمسكها، ويحاسبها، وتعاهده، ثم يطلقها ... حتى حظي في الليلة الثالثة بالعلم منها، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنه كانت له سهْوة [1] فيها تمر، وكانت تجيء الغول فتأخذ منه، قال: فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (اذهب فإذا رأيتها فقل: بسم الله، أجيبي رسول الله) ، قال: فأخذها فحَلَفَت أن لا تعود، فأرسلها، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما فعل أسيرك؟) قال: حلفَت أن لا تعود، قال: (كذبت، وهي معاودة للكذب) ، قال فأخذها مرة أخرى، فحلفت أن لا تعود، فأرسلها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما فعل أسيرك؟) ، قال: حلفت أن لا تعود، فقال: (كذبت، وهي معاودة للكذب) ، فأخذها فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني ذاكرة لك شيئًا: آية الكرسي، اقرأها في بيتك، فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما فعل أسيرك؟) قال: فأخبره بما قالت، قال: (صدقت وهي كذوب) [2] .
أفيأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه بقبول النصيحة ممن جمع الأوصاف التالية: شيطان في صورة حيوان، سارق، وسارق الصدقة، وكذاب في كلامه، وغدار في وعده.
(1) السهوة: الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء (الترغيب والترهيب 2/ 244) .
(2) أخرجه أحمد 5/ 423، والترمذي (2880) ، وقال: حسن غريب، وقال الألباني: صحيح لغيره. وقال شعيب: إسناده ضعيف. قلت: له شاهد أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن أبي هريرة (2311) و (3275) و (5008) .