-أما اشتراط الاجتهاد فهو قول لبعض أهل العلم، ولعل الأقرب ما ذكره الإمام الجويني: (ذهب طوائف من أئمة أهل السنة إلى أنه لا يصلح لعقد الإمامة إلا المجتهد المستجمع لشرائط الفتوى. وذهب القاضي الباقلاني في عصب من المحققين إلى أنا لا نشترط بلوغ العاقد مبلغ المجتهدين؛ بل يكفي أن يكون ذا عقل وكيس وفضل وتهدٍّ إلى عظائم الأمور، وبصيرة متقدة بمن يصلح للإمامة، وبما يُشترط استجماع الإمام له من الصفات. فأما من لم يستجمع خصال المفتين، فنقول: الغرض تعيين قدوة وتخير أسوة، وعقد الزعامة لمستقل بها، ولو لم يكن المعيِّن المتخيِّر عالمًا بصفات من يصلح لهذا الشأن لأوشك أن يضعه في غير محله، ويجرَّ إلى المسلمين ضرارًا بسوء اختياره، ولهذا لم يدخل في ذلك العوام، ومن لا يعد من أهل البصائر ... فأما الأفاضل المستقلون، الذين حنكتهم التجارب، وهذبتهم المذاهب، وعرفوا الصفات المرعية فيمن يُناط به أمر الرعية فهذا المبلغ كاف في بصائرهم، والزائد عليه في حكم ما لا تمس الحاجة إليه في هذا المنصب. وقد تمهد في قواعد الشرع أنا نكتفي في كل مقام بما يليق به من العلم ... فالفاضل الفطن المطلع على مراتب الأئمة، البصير بالإيلات والسياسات، ومن يصل لها متصف بما يليق بمنصبه في تخير الإمام ... فقد ظهر أنَّ الأقرب إلى التحقيق مسلك القاضي ومتبعيه) [1] .
ثم قال رحمه الله: (فلا أرى لاشتراط كون العاقد مجتهدًا وجهًا لائحًا، ولكني أشترط أن يكون المبايع ممن تفيد مبايعته منَّة واقتهارًا) [2] .
وهنا أقول: لا حاجة لنا أن تخرج أهل حلك وعقدك لنعرف إن كانوا كما اشترط العلماء أم لا، وذلك لمعرفتنا بهم جيدًا ... !
وثمة تساؤلات ضرورية لفهم المراد الحقيقي بهذا التأصيل الشرعي الذي ذكره الكاتب، فقد ذكر الكاتب أنَّ الطريق الثالث والذي أشار لاختيار جماعته له هو طريق الغلبة
(1) غياث الأمم ص 49 - 51.
(2) المصدر نفسه ص 57.