فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 201

أم لا، وسواء طال الزمان أم لا، هذا هو المشهور» [1] .

مذهب الحنابلة:

أما ضابط المرتث عند الحنابلة فهو من جرحه العدو، أو أكل أو شرب، أو نام، أو بال، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفًا، فيكون كغيره من الموتى، يُغسل ويصلى عليه؛ لأن ذلك لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة، والأصل وجوب الغسل والصلاة [2] .

الترجيح:

الذي يظهر لي في هذه المسألة أن الراجح هو ما اختاره ابن قدامة في المغني حيث قال: «الصحيح: التحديد بطول الفصل، أو الأكل؛ لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة، وطول الفصل يدل على ذلك، وقد ثبت اعتبارهما في كثير من المواضع، وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها» [3] .

أما التحديد بالشرب، واستدلال الحنفية بأن شهداء أحد كانت تدار عليهم الكأس فلم يقبلوا خوفًا من نقصان الشهادة، فلم أجد أحدًا أسند هذه القصة، ولم أجد من أوردها غير الحنفية، والمشهور أن مثل ذلك روي في معركة اليرموك، فعن أبي الجهم بن حذيفة العدوي رضي الله عنه أنه قال: «انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شنة [4] من ماء وإناء، فقلت: إن كان به رمق سقيته من الماء، ومسحت به وجهه، فإذا أنا به ينشغ [5] ، فقلت له: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، فأتيته، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتيت ابن عمي فإذا هو قد مات» [6] .

وفي هذه القصة أن كل واحد من هؤلاء الصحابة -رضوان الله عليهم- قد آثر صاحبه بالماء، وليس يظهر أن امتناعهم لأجل نقصان الشهادة، كما هو واضح من السياق، والله أعلم.

(1) المجموع: 5/ 261، وانظر تحفة المحتاج: 3/ 164، 165، ومغني المحتاج: 1/ 350.

(2) شرح منتهى الإرادات: 1/ 352، بتصرف. وانظر: الفروع: 2/ 413 ن الإنصاف: 2/ 502.

(3) المغني: 3/ 472، وصوب هذا المرداوي في الإنصاف: 2/ 502.

(4) شنة: الشنان: الأسقية الخلقة، واحدها شن وشنة، وهي أشد تبريدًا للماء من الجدد. النهاية: 2/ 506.

(5) النشغ: قال ابن الأثير:"النشغ في الأصل: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي. وإنما يفعل الإنسان ذلك تشوقًا إلى شيء فائت وأسفًا عليه. وعن الأصعمي: النشغات عند الموت: فواقات خفيات جدًا، واحدتها: نشغة". النهاية: 5/ 58.

(6) أخرجه ابن المبارك في الجهاد، ص 122، وفي الزهد، ص 185، باب هوان الدنيا على الله. وأخرجه أحمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه"فضل الجهاد والمجاهدين"، ص 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت