فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 201

قال ابن قدامة -تعليقًا على هذه القصة، واستدلالًا على عدم اعتبار الكلام ضابطًا للارتثاث-: «ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة، وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب» [1] .

وأما التحديد بالكلام وانقضاء الحرب فلا يصح، لما روى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بالسيف، ورمية بسهم، فقلت له: يا سعد إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام، وعليك السلام، قل له: يا رسول أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيكم شفر [2] يطرف، قال: وفاضت نفسه رحمه الله» [3] .

ولما روي أن الأصيرم - رضي الله عنه - كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد، بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه، فعدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب [4] على قومك أم رغبة في الإسلام؟

قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت، ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات بين أيديهم. فذكروه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنه من أهل الجنة" [5] ."

(1) المغني: 3/ 473.

(2) شُفْرٌ: الشٌفْر بالضم، وقد يفتح: حرف جَفْنِ العين الذي ينبت عليه الشعر. النهاية: 2/ 484.

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك: 3/ 201، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وأخرجه ابن المبارك في الجهاد، ص 108، 109 مرسلًا عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة.

كما أخرجه مالك في الموطأ: 2/ 466 مرسلًا عن يحيى بن سعيد. وكذلك ابن سعد في الطبقات: 3/ 523، 524.

وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 3/ 285.

وابن إسحاق في سيرته، ص 313، 314 مرسلًا عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة.

وكذلك سعيد بن منصور في سننه: 2/ 303، رقم 2842.

قال ابن عبد البر: هذا الخبر مشتهر مستفيض بالمدينة عند علمائها. الاستذكار: 14/ 294.

(4) حدب: يقال حدب عليه يحدب، إذا عطف. النهاية: 1/ 349.

(5) السيرة النبوية، لابن هشام: 3/ 90. قال ابن حجر: هذا إسناد حسن، رواه جماعة من طريق ابن إسحاق. الإصابة: 2/ 526. كما أخرجه أحمد في المسند. الفتح الرباني: 22/ 203، قال الساعاتي: سنده جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت