بنفسه على الله، ليقوي بذلك نفوس المسلمين، ويلقي الرعب في قلوب المشركين، فمن أهل العلم من كرهه ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء إلى التهلكة، لقول الله عز وجل: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، وممن روي ذلك عنه عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبه لمن كانت به قوة عليه -وهو الصحيح-، وروي أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، حين لاحمه [1] القتل يوم مؤتة، اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عرقبها، وقاتل حتى قتل، فلم ينكر ذلك عليه من كان معه من بقية الأمراء وسائر الصحابة، ولا أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، إذ لا شك في تناهي علم ذلك إليه، ولا نهى المسلمون عن مثل ذلك، فدل على أن ذلك من أجلّ الأعمال، وأن الثواب عليه أعظم الثواب» [2] .
6 -وفي حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - الطويل في قصة غزوة ذي قَرَد [3] أنه قابل المشركين وحده، ولحقه الأخرم الأسدي وأبو قتادة الأنصاري -رضي الله عنهما-، وعندما حذر سلمة بن الأكوع الأخرم الأسدي، قال له الأخرم: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحُل بيني وبين الشهادة، قال: فخليته فالتقى هو وبعض المشركين، فقتل - رضي الله عنه - [4] .
ذكر القاضي عياض من فوائد هذا الحديث: «جواز الاستقتال في سبيل الله تعالى، وطلب الموت، وإلقاء الإنسان نفسه في غمرات الحروب والعدد الكثير من العدو كما فعل الأخرم وسلمة» [5] .
وقال ابن النحاس: «في هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب على ظنه أنه يقتل، إذا كان مخلصًا في طلب الشهادة، كما فعل الأخرم الأسدي رضي الله عنه، ولم يعب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليه، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده، ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون ... وفي طلب سلمة انتخاب مائة من الصحابة ليلقى بهم الكفار دليل واضح على أن الكفار كانوا جمعًا، وإلا لما يستدع الحال أن يتوجه إليهم مائة من الصحابة منتخبين، ولم أر من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهو أوضح من كل دليل واضح، والله أعلم» [6] .
(1) قال ابن الأثير: في حديث جعفر الطيار"أنه أخذ الراية يوم مؤتة فقاتل بها حتى ألحمه القتال"، يقال: ألحم الرجل واستلحم، إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا، وألحمه غيره فيها. ولحم، إذا قتل، فهو ملحوم ولحيم. النهاية: 4/ 239.
(2) البيان والتحصيل: 2/ 564 - 565.
(3) قَرَد: بالتحريك. ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، خرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في طلب عيينة بن حصن، حين أغار على لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو معدود في الغزوات. مراصد الاطلاع، للبغدادي: 3/ 1076 - 1077.
(4) مختصرًا من صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها، رقم 1807.
(5) إكمال المعلم: 6/ 200.
(6) مشارع الأشواق: 1/ 539 - 540.