فأبى، وأتى مصرع حرام فقاتلهم حتى قتل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أعنق ليموت» [1] . قال ابن سعد [2] : أي أنه تقدم على الموت وهو يعرفه [3] .
وقد أجاز جمع من الصحابة رضي الله عنهم هذه المسألة -الانغماس في العدو-.
10 -فعن مدرك بن عوف [4] «أنه كان جالسًا عند عمر - رضي الله عنه - فذكروا رجلًا شرى نفسه يوم نهاوند، فقال: ذاك والله يا أمير المؤمنين خالي. زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة. فقال عمر رضي الله عنه: كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا» [5] .
11 -وقال رجل للبراء بن عازب رضي الله عنه: «أحمل على الكتيبة بالسيف في ألف، من التهلكة ذاك؟ قال: لا، إنما التهلكة أن يذنب الرجل ثم يلقي بيديه، ثم يقول لا يغفر لي» [6] .
12 -وكذلك قال أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، فعن أسلم أبي عمران التجيبي [7] قال: «كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم ... فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يرد علينا ما قلنا وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ
(1) أعنق ليموت: أي أن المنية أسرعت به وساقته إلى مصرعه. النهاية: 3/ 310.
(2) هو: الحافظ العلامة البصري محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم، يعرف بكاتب الواقدي، أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين، كان كثير العلم، كثير الكتب، كتب الحديث والفقه والغريب. توفي سنة 230 هـ. انظر: تذكرة الحفاظ: 2/ 425، تهذيب التهذيب: 9/ 182.
(3) طبقات ابن سعد: 2/ 52.
(4) هو: مدرك بن عوف البجلي، مختلف في صحبته واتصال حديثه، روى عنه قيس بن أبي حازم، وقيس يروي عن كبار الصحابة، ويروي مدرك هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الاستيعاب، لابن عبد البر: 3/ 344 - 345.
(5) السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 46. والمصنف لابن أبي شيبة: 5/ 303.
قال ابن حجر:"وروى ابن جويبر وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر، فقلت: إن لي جارًا رمى بنفسه في الحرب فقتل. فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا". فتح الباري: 6/ 33.
(6) السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 45.
وبمعناه روى الحاكم في المستدرك: 2/ 275 - 276، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال ابن حجر:"وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء: أرأيت قول الله عز وجل: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} هو الرجل يحمل على الكتبية، ...". فتح الباري. 8/ 33 - 34.
(7) هو: أسلم بن يزيد، أبو عمران التجيبي المصري، روى عن أبي أيوب وعقبة بن عامر، وأم سلمة، وغيرهم، وهو من الثقات. انظر: تهذيب التهذيب: 1/ 265، وتقريب التهذيب، ص 104.