وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] ، فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا [1] في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم» [2] .
أما التعرض للموت في القتال، وعدم الأخذ بالرخصة -وهذا من جنس الانغماس في العدو- فالآثار في ذلك كثيرة، منها:
1 -عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال لأخيه زيد بن الخطاب يوم لأُحد: «خذ درعي هذه يا أخي، فقال له: إني أريد من الشهادة مثل الذي تريد، فتركناها جميعًا» [3] .
2 -وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه: «أتى ثابت بن قيس وقد حسر [4] عن فخذيه وهو يتحنط، فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط -يعني من الحنوط- ثم جاء فجلس. فذكر في الحديث انكشافًا من الناس، فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بئس ما عودتم أقرانكم [5] » [6] .
قال ابن حجر -في هذا الحديث-: «قال المهلب وغيره فيه جواز استهلاك النفس في الجهاد، وترك الأخذ بالرخصة، والتهيئة للموت بالتحنط والتكفين ... » [7] .
3 -عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه [8] قال: من يردُّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: من يردُّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصاحبيه: ما أنصفنا
(1) شاخصًا: أي مسافرًا. النهاية: 2/ 451.
(2) الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب"ومن سورة البقرة"، رقم 2972، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب واللفظ له.
كما أخرج بنحوه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، رقم 2512، وسكت عنه.
وكذا الحاكم في المستدرك: 2/ 275، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 9/ 99.
(3) المعجم الأوسط للطبراني، رقم 5296، قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. المجمع: 5/ 298. كما أخرج بنحوه ابن سعد في طبقاته: 3/ 378.
(4) حسر: أي كشف. النهاية: 1/ 383.
(5) القِرْن: بالكسر: الكُفْء والنّظير في الشجاعة والحرب، ويجمع على أقران. النهاية: 4/ 55.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب التحنط عند القتال، رقم 2845.
(7) فتح الباري: 6/ 62.
(8) رهقوه: أي دنو منه وغشوه. النهاية: 2/ 283.