ففي بعض عمليات الانغماس ينجو صاحبها ولا يقتل، كما روى ابن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك - رضي الله عنه - على ترس، فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم. فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط فأدركوه وقد قتل منهم عشرة [1] .
الإجابة عن هذا الإشكال:
أن غلبة الظن تنزل منزلة اليقين في أغلب الأحوال، وأكثر الأحكام، قال ابن مفلح -رحمه الله-: «وغلبة الظن كاليقين في أكثر الأحكام» [2] .
ومن القواعد الفقهية أن «الظن الغالب ينزل منزلة التحقيق» [3] ، وأن «الغالب مساوٍ للمحقق» [4] . ولذا فإنه يعمل بالظن الغالب في أمور الشرع عامة [5] ، فـ «الحكم بغلبة الظن أصل الأحكام» [6] .
كما أن بعض حالات الاقتحام على الأعداء -التي أجازها العلماء- يكون القتل فيها محققًا يقينيًا كما سبق في قصة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - واقتحامه على الأعداء في معركة مؤتة، فقد قال الخطابي: «هذا يفعله الفارس في الحرب إذا أرهق، وأيقن أنه مغلوب» [7] ، وكذا الحال في قصة غلام الأخدود، فإنه فعل ما يستيقن أنه يقتل به، وقد روى الفقيه الشافعي بهاء الدين بن شداد [8] أن بطسة [9] إسلامية جاءت من بيروت
(1) السنن الكبرى، للبيهقي: 9/ 44.
قال ابن حجر:"وقال بقي بن مخلد في مسنده: حدثنا خليفة، حدثنا أبو بكر عن أبي إسحاق، قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة". الإصابة: 1/ 143.
(2) المبدع: 3/ 318.
(3) القواعد الفقهية، للندوي، ص 306.
(4) القواعد، للمقري: 1/ 241، قاعدة رقم 17.
(5) انظر: القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام، ص 10، وما بعدها، وانظر كتاب"نظرية التقريب والتغليب، وتطبيقها في العلوم الإسلامية"، أحمد الريسوني.
(6) الاعتصام للشاطبي: 2/ 143.
(7) معالم السنن: 3/ 397.
(8) هو: سيف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي، قاضي حلب، المعروف بابن شداد، الفقيه الشافعي، ولد سنة 539 هـ، وقد كان مصاحبًا للقائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي. له عدة مؤلفات، من أشهرها: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية - أو سيرة صلاح الدين - ودلائل الأحكام، فضائل الجهاد. انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان: 7/ 84، ومقدمة الدكتور جمال الدين الشيال للنوادر السلطانية.
(9) البَطْسة أو البُسطْة، ويقال أحيانًا بَطْشة أو بُطْشة، ومعناها السفينة الكبيرة، وذكر أنها مأخوذة من الأسبانية. انظر: حاشية النوادر السلطانية لبهاء الدين بن شداد، ص 49.