فهرس الكتاب
والطاهر من الذنب لا يستغني عن الدعاء، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام صلي عليه وهو أفضل الخلق، وأعلى درجة، ويصلى على الصبي ولم تكتب عليه خطيئة قط [1] .
4 -أما قولهم: إن الصلاة على الميت لا تصح بلا غسل، فمن لم يغسل لا تصح الصلاة عليه، فنقول: وكذا لا يدفن بلا غسل، فلما دفن الشهيد بلا غسل، دل على أنه في حكم المغسولين، فكانت الصلاة عليه صلاة على المغسول حكمًا [2] .
5 -أما قولهم: إن الشهداء أحياء ولا يصلى على حي، فنقول إنه ليس بتلك الحياة حياة الدنيا، وإنما هي حياة الأخرى، وهي الحياة الطيبة، وتلك لا تمنع من إجراء أحكام الموتى عليهم، ألا ترى أنهم يدفنون وتقسم أموالهم بين الورثة وتعتد نساؤهم! [3] .
وأجاب الجمهور على أدلة الحنفية بما يلي:
1 -أما بالنسبة إلى الأحاديث التي استدل بها الحنفية فقد ضعفوها، قال مجد الدين عبد السلام بن تيمية [4] : «وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت» [5] ، وقال النووي: «أما الأحاديث التي احتج بها القائلون في الصلاة، فاتفق أهل الحديث على ضعفها كلها إلا حديث عقبة بن عامر، والضعف فيها بين، قال البيهقي وغيره: وأقرب ما روي حديث أبي مالك وهو مرسل، وكذا حديث شداد مرسل أيضًا فإنهما تابعيان.
أما حديث عقبة فأجاب أصحابنا وغيرهم بأن المراد من الصلاة هنا: الدعاء، وقوله: «صلاته على الميت» أي دعاء لهم، كدعاء صلاة الميت، وهذا التأويل لا بد منه، وليس المراد صلاة الجنازة المعروفة بالإجماع، لأنه - صلى الله عليه وسلم - بما فعله عند موته بعد دفنهم بثمان سنين، ولو كان صلاة الجنازة المعروفة لما أخرها ثمان سنين، ودليل آخر وهو أنه لا يجوز أن يكون المراد صلاة الجنازة بالإجماع، لأن عندنا لا يصلى على الشهيد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- (لا) يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام [6] فوجب تأويل الحديث، ولأن أبا
(1) تبيين الحقائق: 1/ 248، بتصرف. وانظر المبسوط: 2/ 50، وبدائع الصنائع: 1/ 325.
(2) البناية: 3/ 314، بتصرف. وانظر الانتصار للكلوذاني: 2/ 634.
(3) تبيين الحقائق: 1/ 248، بتصرف. وانظر المبسوط: 2/ 50، والانتصار: 2/ 633.
(4) هو: الشيخ الإمام العلامة فقيه العصر، شيخ الحنابلة، مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد الحراني، وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية، ولد سنة 590 هـ. قال فيه ابن مالك: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد، من مؤلفاته: المنتقى، المحرر في الفقه. توفي سنة 653 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء: 23/ 291، ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب: 2/ 249، معجم المؤلفين: 5/ 227.
(5) منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار: 4/ 42.
(6) جاء في الفتاوى الهندية: 1/ 165"لو دفن الميت قبل الصلاة أو قبل الغسل فإنه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام، والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم، بل يصلى عليه ما لم يعلم أنه قد تمزق، كذا في السراجية".