فهرس الكتاب
حنيفة لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى، وهذا منها، والله أعلم» [1] .
وأجاب ابن قدامة أيضًا عن حديث عقبة بقوله: «وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد، فإنه صلى عليهم في القبور بعد ثماني سنين، وهم لا يصلون على القبر أصلًا، ونحن لا نصلي عليه بعد شهر» [2] .
2 -أما قولهم: بأن حديث جابر نافٍ، وأحاديثنا مثبتة فتقدم عليه، فيجاب عنه «بأن شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علمه وكان محصورًا، فيقبل بالاتفاق، وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علمًا، وأما رواية الإثبات فضعيفة، فوجودها كالعدم إلا حديث عقبة، وقد أجبنا عنه» [3] .
3 -وأما قولهم: إن الصبي طاهر ويصلى عليه، فنقول: «الشهادة أمر طارئ يقتضي رتبة عظيمة وتمحيصًا، فلا يبعد أن يقال: إنه مغن عن هذا الغسل والصلاة، والصبي وإن لم يكن مكلفًا فلم يطرأ عليه ما يقتضي مرتبة» [4] .
وأيضًا فإنه «لو أمر بغسلهم والصلاة عليهم لتوهم أنه لأجل نقص فيهم، بخلاف الأنبياء؛ فإن أحدًا لا يتوهم نقصًا فيهم بحال» [5] .
الترجيح:
الذي يظهر لي -والله أعلم- أن القول الراجح هو قول الحنفية، الذي هو رواية عن أحمد، اختارها جمع من الحنابلة [6] ، وهي أنه يصلى على الشهيد، وذلك لأمور:
1 -أن الأحاديث التي رويت في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الشهداء ثابتة.
قال ابن القيم -في الأحاديث التي رويت الصلاة على الشهداء في غير أحد-: «وهذه آثار يقوي بعضها بعضًا، ولم يختلف فيها، وقد اختلف في شهداء أحد، فكيف يؤخذ بما اختلف فيه، وتترك هذه الآثار» [7] .
وقال الشوكاني: «رويت من طرق يشد بعضها بعضًا» [8] .
2 -أن عدد الصحابة الذين أثبتوا الصلاة أكثر من الذين نفوا ذلك، فلم يرو النفي إلا عن جابر وأنس،
(1) المجموع: 5/ 265.
(2) المغني: 3/ 468.
(3) المجموع: 5/ 265.
(4) المجموع: 5/ 266.
(5) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: 3/ 164.
(6) منهم: الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، وأبو الخطاب الكلوذاني. انظر: الانتصار، للكلوذاني: 2/ 625، الإنصاف: 2/ 500، المبدع: 2/ 236.
(7) تهذيب السنن: 4/ 295.
(8) نيل الأوطار: 4/ 44.