جابر: « ... ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية [1] غير أذنه» [2] .
وعنه رضي الله عنه في حديث آخر قال: «لما أراد معاوية أن يجري الكظامة [3] قال: قيل: من كان له قتيل فليأت قتيله -يعني قتلى أحد-قال: فأخرجناهم رطابًا يتثنون، قال: فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فانفطرت دمًا» . قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ولا ينكر بعد هذا منكر أبدًا [4] .
وعنه رضي الله عنه أيضًا أنه قال: «فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم، وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: فرأيت أكفانه؟ فقال: إنما كفن في نمرة [5] خمر بها وجهه، وجعل على رجليه الحرمل [6] ، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنة» [7] .
وعن قيس بن أبي حازم [8] قال: «رأى بعض أهل طلحة بن عبيد الله أنه رآه في المنام، فقال: إنكم دفنتموني في مكان قد آذاني في الماء، فحولوني منه. قال: فحولوه، فأخرجوه كأنه سلقة [9] لم يتغير منه شيء إلا شعرات من لحيته» [10] .
قال السهيلي -رحمه الله-: « ... وما وجد في صدر هذه الأمة من شهداء أحد، وغيرهم على هذه
(1) هنية: أي قليلًا، وهو تصغير هنة، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير: 5/ 279.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟: رقم 1351.
(3) الكظامة: كالقناة، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة، ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض. النهاية: 4/ 177 - 178.
(4) أخرجه ابن المبارك في"الجهاد"، ص 112. وعبد الرزاق في المصنف: 5/ 277، رقم 9602. وابن سعد في الطبقات: 3/ 11. وابن عبد البر في"التمهيد": 19/ 242 و 13/ 142.
(5) قال ابن الأثير: كل شملة مخططة من مآزر الأعراب فهي نمرة. النهاية: 5/ 118.
(6) نوع من النبات. انظر: القاموس المحيط، ص 1271، ومختار الصحاح، ص 56.
(7) أخرجه ابن سعد في الطبقات: 3/ 562، 563، من حديث الأوزاعي عن الزهري عن جابر، وصححه ابن حجر في الفتح: 3/ 257، وقال الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد: 3/ 216: رجاله ثقات، وسنده صحيح.
وأخرج مالك في الموطأ (2/ 470) بنحوه من حديث عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو ... قال ابن عبد البر:"هكذا هذا الحديث في الموطأ مقطوعًا لم يختلف على مالك فيه، وهو متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب"التمهيد: 19/ 239.
(8) قيس بن أبي حازم البجلي، أبو عبد الله الكوفي، مخضرم، مات بعد التسعين أو قبلها، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة. انظر: تهذيب التهذيب: 8/ 386، وتقريب التهذيب، ص 456.
(9) سلقة، ورد في معنى"سلق"عدة معان، لعل الأقرب إلى معناها: هو الأملس الطيب. انظر: النهاية: 2/ 391، المقاييس في اللغة: 3/ 96، القاموس المحيط، ص 1155، تاج العروس: 25/ 454.
(10) رواه عبد الرازق: 5/ 277 - 278، رقم 9603.