قال الحسن البصري [1] رحمه الله-: «إن الشهداء أحياء عند الله تعالى، تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح فرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع» [2] .
قال ابن كثير -رحمه الله-: «وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر باب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر؛ فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم رزقهم هناك ويراح، والله أعلم» [3] .
وهذا الوصف الذي اتصف به الشهيد هل هو خاص به، أم أنه يشمل عموم المؤمنين؟
روى كعب بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما نسمة [4] المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» [5] .
ففي هذا الحديث لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد [6] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [7] -رحمه الله-: «الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة، ليس مختصًا بالشهيد. كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختص الشهيد بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على
(1) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه: يسار، الأنصاري مولاهم، كان جامعًا عالمًا، رفيعًا فقيهًا، ثقة مأمونًا، عابدًا ناسكًا، كثير العلم. توفي سنة 110 هـ. انظر: تهذيب التهذيب: 2/ 263، وتقريب التهذيب، ص 160.
(2) أخرجه البغوي في تفسيره: 1/ 89.
(3) تفسير ابن كثير: 1/ 404.
(4) نسمة: أي روح. انظر. النهاية: 5/ 94.
(5) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز: 1/ 240. والنسائي، كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، رقم 2073. وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، رقم 4271.
قال ابن القيم في"الروح"، ص 252:"الحديث من صحاح الأحاديث".
وقال ابن كثير:"هذا إسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد -رحمه الله- رواه عن محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله- عن مالك بن أنس الأصبحي -رحمه الله- عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه"، تفسير ابن كثير: 1/ 404.
(6) التمهيد: لابن عبد البر: 11/ 59.
(7) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الدمشقي، ولد سنة 661 هـ، الإمام، الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ، الأصولي، أبو العباس تقي الدين، شيخ الإسلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، وبالإسهاب في أمره، تصانيفه كثيرة قيمة نافعة، منها: اقتضاء الصراط المستقيم، منهاج السنة، درء تعارض العقل والنقل. توفي سنة 728 هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة: 2/ 387، لابن رجب، والكواكب الدرية في مناقب المجدد ابن تيمية. مرعي بن يوسف الكرمي، والرد الوافر على من زعم: بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، لابن ناصر الدين، وتذكرة الحفاظ للذهبي: 4/ 1496.