وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «إياكم والشهادات، فإن كنتم فاعلين فاشهدوا لسرية بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصيبوا، فنزل فيهم: أن بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» [1] .
القول الثاني:
ذهب إلى جواز تسمية المقتول في سبيل الله وغيره ممن مات بسبب من أسباب الشهادة بـ"شهيد"ولو بالتعيين، بناء على الحكم الظاهر المبني على الظنّ الغالب [2] ، وذلك لمن اجتمعت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع في الأعمال البدنية الظاهرة دون الأعمال الباطنة كالإخلاص مثلًا، كما يُطلق الأطباء لفظ الصحة ومقصودهم سلامة الجسد، دون سلامة النفس من فساد العقائد والأخلاق، وهذه شهادة على ظاهر أمرهم من الإيمان، وإقام العبادات، والجهاد في سبيل الله، واستدامة ذلك إلى أن قتلوا في مجاهدة الكفار؛ فلا مانع من إطلاق لفظه"شهيد"لمن هذه حاله، ونكل سرائره إلى الله تعالى، مع أننا لا نجزم له بهذه الشهادة عند الله، «ولأننا قد أمرنا بالحكم الظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم» [3] .
قال ابن عبد البر [4] -رحمه الله-: «إن الحكام إنما يقضون في التعديل والتجريح عند الشهادات بما يظهر ويغلب، ولا يقطعون على غيب فيما به من ذلك يقضون، ولم يكلفوا إلا العلم الظاهر، والباطن إلى الله عز وجل» [5] .
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: «قد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه، ممن لا يعلم المسلمون حاله، إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة مع المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا» [6] .
ومما يستدل به على هذه المسألة: ما تواتر عن الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من علماء الإسلام من إطلاق الشهادة على المعين، كقولهم: وقتل فلان شهيدًا، ومات فلان شهيدًا، وختم له بالشهادة،
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 10/ 153. قال الهيثمي: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. المجمع: 6/ 130.
(2) فتح الباري: 6/ 106 بتصرف.
(3) شرح العقيدة الطحاوية، ص 379.
(4) هو: يوسف بن عمر بن عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ، شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، ومن كبار فقهاء المالكية، له المؤلفات الكثيرة النافعة، منها: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب. توفي سنة 463 هـ. انظر: ترتيب المدارك: 2/ 808، الديباج المذهب، ص 357، وشجرة النور الزكية، ص 119.
(5) الاستذكار: 14/ 240.
(6) درء تعارض العقل والنقل: 8/ 432 - 433.