2 -شرط الصبر وعدم الفرار:
والمقصود بهذا الشرط هو أنه يشترط لصحة الشهادة في سبيل الله حبس النفس على القتال وعدم الفرار أو الجزع أو التسخط من الموت، مع احتساب الأجر في ذلك كله.
وقد أكدت النصوص الشرعية على هذا الشرط ونهت عن ضده من التولي يوم الزحف والفرار من المعركة، كما جعلت درجة الشهادة لا ينالها إلا من تحلى بهذه الصفة من الثبات وعدم الفرار.
والنصوص القرآنية التي تحث على عموم الصبر وتأمر به وتبين محبة الله لأهله، وتثني على أصحابه، وتنهى عن ضده كثيرة جدًا، حتى قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا» [1] .
وسوف نقتصر على إيراد بعض النصوص التي تأمر بالثبات في القتال، وتنهى عن الفرار.
فمن القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45] . فعلم الله عباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، وأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه [2] .
2 -وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] . فأمر الله بمصابرة الأعداء في القتال كما هو قول الجمهور [3] .
3 -ونهى الله سبحانه عند ضد الصبر من التولي والفرار من الزحف، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16] . ففي هذه الآية توعد الله الفار من الزحف بالنار وبئس القرار، وقد استثنى الله سبحانه منهم حالتين:
الأولى: المتحرف للقتال -أي المائل إليه، وقيل: مستطردًا يريد الكرة [4] - وهو من فر ونيته العودة للقتال، مثل من فر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكر عليه فيقتله [5] .
(1) مدارج السالكين: 2/ 158.
(2) تفسير ابن كثير: 2/ 302 - 303، بتصرف.
(3) حكاه القرطبي عن الجمهور، واستدل له بقول عنترة:
فلم أر حيًا صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح
الجامع لأحكام القرآن: 4/ 205.
(4) عمدة الحفاظ، للسمين، ص 117.
(5) تفسير ابن كثير: 2/ 281، أحكام القرآن، للشافعي، ص 37.