فيه أصلًا، وقد تبع ابن قدامة -رحمه الله- في هذا الاستدلال عدد من العلماء السابقين والمعاصرين [1] .
ولم أجد -حسب إطلاعي- من اعترض على هذا الدليل من الفقهاء إلا العيني [2] -رحمه الله- فقال: « ... هذا غلط، لأنّ عميرًا قتل يوم بدر قبل وهو ابن ست عشرة، ذكره ابن سعد في الطبقات، وأما حارثة بن النعمان فتوفي في خلافة معاوية وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها» [3] .
2 -علة عدم الغسل عند الحنفية: أن الشهيد لا يغسل لتطهيره من دنس الذنوب، وغير المكلف لا ذنب له [4] .
وهذا الاستدلال من الحنفية غير مسلم، لأنّ هذه العلة غير متفق عليها، وقد اختلف في تحديدها على أقوال عدة -سوف يأتي بسطها إن شاء الله في مبحث غسل الشهيد- وقد رجح النووي عدم العلة فقال: «إن الطريقة السديدة عندنا في ترك الغسل أنه غير معلل» [5] ، وعلى القول بأن عدم الغسل معلل فإن علة إبقاء أثر الدم لها وجه من القوة وهي التي أشار إليها الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك» [6] . وهذه العلة توجد في المكلف وغيره.
3 -قول الحنفية أنه لا يخاصم بنفسه في حقوقه فلا حاجة إلى إبقاء أثر الشهادة.
هذا مردود بالموءودة التي تأتي يوم القيامة تحاج من وأدها، وتسأله كما في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 - 9] .
قال ابن كثير:"... وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير: 8] ، أي سألت، وكذا قال أبو الضحى: سألت أي طالبت بدمها. وعن السدي وقتادة مثله" [7] .
فهذه الموءودة تخاصم عن نفسها لأنها ظلمت، فكذلك الصبي إذا قتل ظلمًا.
(1) من العلماء السابقين: منصور بن يونس البهوتي في كتابه"كشاف القناع": 2/ 98، وفيه:"... وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وهو صغير"، ومن العلماء المعاصرين: وهبة الزحيلي في كتابه"الفقه الإسلامي وأدلته": 2/ 559، وفيه:"... وتؤيده السنة في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهداء أحد، وفيهم صغير وهو حارثة بن النعمان".
(2) هو: محمود بن أحمد بن موسى العنتابي، الحلبي، ثم القاهري، الحنفي، معروف بالعيني، فقيه أصولي، محدث، ولد سنة 762 هـ، من تصانيفه الكثيرة:"عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، و"رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق"في فروع الفقه الحنفي، و"البناية في شرح الهداية". توفي سنة 855 هـ. انظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص 207، معجم المؤلفين: 12/ 150.
(3) البناية شرح الهداية: 3/ 319 - 320.
(4) تبيين الحقائق: 1/ 248 - 249، بتصرف.
(5) المجموع: 5/ 266، وسيأتي تفصيل علة عدم الغسل -إن شاء الله تعالى- في مطلب غسل الشهيد.
(6) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، رقم 2803. ومسلم في فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، من كتاب الإمارة، رقم 1876.
(7) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 4/ 478.