فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 201

ولعل من المناسب قبل الحديث في هذا المانع أن نذكر حكم خروج المجاهد المدين إلى الجهاد بغير إذن غريمه.

فقد ذكر العلماء أنه إذا كان الجهاد فرض عين يخرج الابن من غير إذن أبيه، والدائن من غير إذن دائنه، وهذا متفق عليه عند الأئمة الأربعة [1] ، وعللوا ذلك بأنه إذا كان الجهاد فرض عين فقد تعلق بعينه فكان مقدمًا على ما في ذمته كسائر الفروض [2] .

ولهذا قال ابن النحاس -عند ذكر اختلاف الفقهاء في جواز خروج من عليه دين-: «وهذا كله في الجهاد الذي هو فرض كفاية» [3] .

واتفق الفقهاء على أن الميت إذا وصى بقضاء دينه، أو جعل له كفيلًا أو وكيلًا، وكان عنده وفاء؛ فإنه يجوز له الخروج بغير إذن المدين، ولو كان الجهاد فرض كفاية، وكذا الحال في ما إذا كان الدين مؤجلًا لم يحل بعد [4] . واستدل على هذا بحديث عبد الله بن حرام أبي جابر بن عبد الله لما خرج إلى أحد وعليه دين كثير، فاستشهد، وقضاه عنه ابنه بعلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولم ينكر فعله، بل مدحه، وقال: ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع" [5] ."

كما يدل على ذلك أيضًا: حديث أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء» [6] . فدل على أن الإثم منتف عمن ترك قضاءً لدينه.

وبهذا يتبين أنه لا يجوز للمسلم الخروج للجهاد الذي هو فرض كفاية إلا بإذن غريمه [7] ، ما لم يدع لدينه كفيلًا، أو ترك قضاء ووفاءً؛ لأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس؛ فيفوت الحق بفواتها، لذا لزم إذنه في الخروج [8] .

مسألة: حكم من قتل في سبيل الله وعليه دين:

(1) انظر: حاشية ابن عابدين: 4/ 127، حاشية الدسوقي: 2/ 175، روضة الطالبين: 10/ 214، الكافي، لابن قدامة: 4/ 119.

(2) المصادر السابقة.

(3) مشارع الأشواق: 1/ 101.

(4) حاشية ابن عابدين: 4/ 126، منح الجليل: 1/ 713، روضة الطالبين: 10/ 210 - 211، الكافي: 4/ 119.

(5) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد، باب ظل الملائكة على الشهيد، رقم 2816. ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، في فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام، رقم 2471. وانظر: المغني، لابن قدامة: 13/ 27 - 28، ومشارع الأشواق: 1/ 100.

(6) أبو داود، كتاب البيوع، باب التشديد في الدين، رقم 3342، وسكت عنه أبو داود. والإمام أحمد، الفتح الرباني: 15/ 89 - 90.

(7) الغريم: الدائن، والمديون ضده، والمقصود هنا: الدائن. القاموس المحيط، باب الميم، فصل الغين، ص 1475.

(8) المغني لابن قدامة: 13/ 27 - 28، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت