ليوسف، وانقطاع أخباره عشرات السنين، ولكنه لم يفقد الأمل، قال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 83] .
إن المتوكل على الله يعلم أن الملك كله بيد خالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
إن شاء أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوى الضعيف، وأضعف القوي، ونصر المظلوم، وأخذ الظالم، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل، وأذل العزيز، قد يفعل ذلك بأسباب معتادة معروفة، وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه. قد يستدرج الظالم ويملي له سنين، حتى يتوهم أن الله قد نسيه! وقد يأخذه في لمح البصر أو هو أقرب. وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، من حيث لا يحتسب هو ولا يحتسب الناس من حوله.
ما بين طرفة عين وانتباهتها ... يغير الله من حال إلى حال
إن دوام الحال من المحال، وسيجعل الله بعد عسر يسرًا، وسيطلع بعد كل ليل فجرًا.
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا، وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت، وكنت أظنها لا تفرج
إذا قال قائل: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، فنحن نقول: لا يأس مع التوكل، ولا توكل مع اليأس (1) .
وقد وجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أوسع الناس أملًا في الغد، ورجاءً في النصر، حتى في يوم الهجرة، وهو راحل من بلده، مطاردًا من قومه، يقول لسراقة
(1) انظر: فصل:"الأمل"من كتابي:"الإيمان والحياة".