وثمرة التوكل هنا: أن المتوكل على الله حين يُقدِّم من الأسباب -التي أُمِرَ بها- ما يقدر عليه، ويدخل في وسعه، تُكمل له القدرة الإلهية العليا ما يعجز عنه، ولا يدخل في وسعه.
انظر إلى موسى - عليه السلام -، وقد أوحى الله إليه: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] ، فخرج بقومه في جنح الليل، فارين من فرعون وملئه، متجهين ناحية البحر، والظاهر أنه خليج السويس. وشعر فرعون وجنوده بخروجهم، فاتبعوهم مشرقين، يريدون أن يفتكوا بهم فهم يملكون العَدد والعُدد، مع الغيظ والغضب: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ. وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 54 - 56] ، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61، 62] .
لقد نظر أصحاب موسى إلى الأسباب وحدها، فقالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . سيدركنا فرعون وجنوده، وينكّلون بنا، ولا طاقة لنا بهم، ولا نجاة لنا منهم، فالبحر أمامنا، وهم من خلفنا!
ولكن كليم الله موسى لم يقف عند ظواهر الأسباب، بل رنا ببصيرته إلى ما هو أعلى منها، إلى خالق الأسباب، وواضع السُنن، ومدبر الأمر كله.
لقد فعل موسى ما أُمِرَ به وما قدر عليه، وبقي ما لا يقدر عليه، ولا حيلة له فيه، ولكنه كان موقنًا أن الله معه، ولن يتخلى عنه، وسيهديه إلى حل ينقذه ومن معه، لا يعرف ما هو، إلا أنه مستيقن من وقوعه.
وكيف لا، وقد قال الله له منذ أرسله وأخاه هارون إلى فرعون