فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 122

أبينا لضعنا .. وقلَّما يذكر أحد ربه الذي هيأ له هذا أو ذاك، ورزقه به من حيث يحتسب، ومن حيث لا يحتسب.

فكأن هؤلاء باتوا -في أمر الرزق والتدبير- في مرتبة دون مرتبة المشركين الذين حدَّثنا القرآن عنهم أنهم كانوا يردون أمر الرزق والتدبير، والإحياء والإماتة إلى الله سبحانه، لا إلى أصنامهم ولا إلى أحد من خلقه، يقول الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31، 32] .

والصنف الثالث: أسوأ من الصنف الثاني، فإن الصنف الثاني اعتمدوا على الأسباب في المباحات، وهؤلاء استخدموها في المحرَّمات. استعانوا بالأسباب المسخَّرة من الله على معاص الله.

استعملوا ذكاءهم وتدبيرهم في عصيان الخالق، وإيذاء الخلق.

واستخدموا قوتهم وجاههم في البطش بالمستضعفين، والعدوان على حقوق المغلوبين. وسخَّروا أموالهم ومكاسبهم في اتباع الشهوات، وإشاعة الفاحشة، وترويج الفساد في الأرض.

وجعلوا من مناصبهم وولاياتهم أداة لظلم الضعفاء، ومحاباة الأقوياء، والإثراء من الحرام، وإعلاء الباطل على الحق، والمنكر على المعروف.

حتى العلم، وجَّهوه لخدمة المادة على حساب الروح، ولتسير المتعة على حساب القيم. بل علم الدين نفسه، أحالوه آلة لاقتناص الدنيا، وتفريخ الفتاوى لأمراء السوء، وحُكَّام الجور، فأحلَّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، وأسقطوا ما أوجب الله.

وكذلك الأدب والبيان، وجَّهوه لترويج الفساد، وإشاعة الفاحشة، وتبرير ظلم الحكَّام وحكم الظُلاَّم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت