والمقعدين؟! أما علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ؟ (1) .
فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!
الحق أن المعرضين عن الأسباب بالكلية لا سند لهم من قرآن ولا سُنَّة، ولا من عمل الصحابة وتابعيهم بإحسان. وهم في حاجة إلى الاعتذار عنهم مما ارتكبوه، لا التأسِّي لهم فيما فعلوه!
ولو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا النهج، ما انتصر لهم دين ولا قامت لهم دولة، ولا تأسست لهم حضارة، ولا مُكِّن لهم في الأرض، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامي، والنهج الإسلامي، الذي يعمل لتكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة.
والدليل على أنه ليس فضيلة محمودة، ولا فريضة مطلوبة: أنه لا يمكن تعميمه وطلبه من الناس كافة، لأنه غير موافق لشرع الله وأمره، ولا لسُنَّته الثابتة في ربط المسببات بالأسباب.
ولذا أنكره فقهاء الأمة المتبوعون، وأئمتها المعتبرون.
فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري - وهو إمام في الفقه، وفي الحديث، وفي الزهد واليقين - يقول:
"العالِم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلًا للظلمة، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة صار وكيلًا للفُسَّاق" (2) .
(1) حديث صحيح متفق عليه عن ابن عمر، وحكيم بن حزام، كما في"اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" [612 - 614] .
(2) ذكره أبو طالب المكي في"قوت القلوب" (2/ 16) .